كلمة سمو الرئيس في حفل توزيع جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
 
في حفل توزيع جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود
السبت 26 جمادى الأولى 1432هـ، الموافق 30/4/2011م
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
معالي الصديق العزيز والأخ الكريم الدكتور خالد العنقري وزير التعليم العالي
معالي الأخ العزيز الدكتور عبد الله العثمان مدير الجامعة
والدكتور عبد العزيز المقرن عميد كلية العمارة والتخطيط
 والزملاء الكرام
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
 
نحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر أن يتحقق هذا اليوم المبارك في هذه الكلية الجميلة وهذا الحضور، وبهذه الطريقة المثلى، أن يكرّم من يستحق التكريم، والجميع يستحق التكريم اليوم لكن تم اختيار مجموعة من الطلبة المميزين لأعمال مميزة أن يكرموا في كلية العمارة.
 
أنا أولا أبدأ بحمد الله سبحانه وتعالى ثم أود أن أقدم شكر وتقدير عميق حقيقة لمعالي الدكتور خالد، وليس لحضوره اليوم، لكن لحضوره قبل أكثر من 15 عام، وأنا طلبت وثيقة ولكن لم يسعف الحظ الأخوان في مؤسسة التراث أن تأتي في نفس الوقت، وهي خطاب وجهته قبل أكثر من 15 عاماً لمعالي الدكتور خالد ولوزير التعليم العالي في ذلك الوقت أيضا، وعرضت عليه فكرة وأتمنى أن الدكتور أسامة ما ينسى هذه المرة  أيضا، أن يزوّدني بالملف حتى أزود به الدكتور عبد الله وتوضع هذه الوثائق في موقع الجامعة، لأننا قدمنا عرض مطوّر من مؤسسة التراث أن نبدأ برنامج اسمه (التراث في التعليم الجامعي) لتطوير هذا المسار بشكل كبير، وكان ثاني خطاب حقيقة يستحق أن ينشر، وسوف ننشره في الصحف إن شاء الله، من معالي الدكتور خالد، قبل أن يصبح التراث والحمد لله اليوم بهذا القبول وهذا الاندفاع الكبير، وهذا العلم الكبير عند الناس عن أهمية التراث، حتى قبل أن يصبح موضة أيضا.
 
كان التراث ذلك الوقت محارب، وكان التراث الوطني يُقلل من شأنه وقيمته على أساس أنه شيء من الماضي وشيء لا يستحق العناية وأنه تقليل من المكتسبات وأنه من الأشياء التي تقلل من أهميتنا، وهذا نوع من الجهل حقيقة كنا نعيش فيه، إلى أن أتاني خطاب من الدكتور خالد وهو يؤيد تأييد كامل وبدون تحفظ وقام بتعميد جميع الجامعات بالتعاون في تطوير هذا المسار الجامعي، وبدأت الاجتماعات المتتالية وكنت أنا في ذلك الوقت الرئيس الفخري لجمعية العمران، وبعض الزملاء الموجودين ممن تغيّرت أشكالهم بعض الشيء مثلي. وبدأت الاجتماعات المكثفة مع الجامعات ولم يكتب لهذا البرنامج النجاح في ذلك الوقت، بسبب أن الوقت لم يسمح بذلك والوعي العام في الجامعات واندفاعها نحو التحديث والسباق المحموم نحو تقليد المدارس الغربية في كل شيء، والاحتقار المجتمعي والجامعات أيضا للتراث الوطني وخاصة التراث العُمراني، وكان هناك عناية بعض الشيء بالكماليات ولم تكن بالمضمون ولا الدور الاقتصادي الذي نستشعره الآن وبحمد الله، وقد وئد ذلك البرنامج إلى حد كبير في وقته، وأنا أذكر جلسة عاصفة كانت في هذه الجامعة في المسرح الكبير، وكان هناك نقاش حامي، وقام الدكتور صالح الهذلول وهو معنا اليوم، الرجل الآن يقول إنه متقاعد لكنه مازال يشغل الناس بعمله المخلص، قام الدكتور صالح مشكورا بمهمة نسف اللقاء هذاك الذي أخذ مساره الخاطئ، لأنه قام بدور الرجل المخلص في وقت يحتاج أن يقوم فيه شخص ويقول هذا الحديث، أنا حرّصته بنوع من الأدب على عدم تشتيت الشمل، وقام الدكتور صالح بهذه المهمة وعندما طال الحديث والنقاش البيزنطي، والجامعة تعيش اليوم مرحلة انتقالية ومرحلة النقاش المثمر، قام بإلقاء كلمة وهي موجودة ومسجلة ونقدر نراجعها ونراها، ووضع النقاط على الحروف وقال إنه لا يُجدي هذا العمل لأنه ليس هناك أصلا قابلية، وكان كل ما يحدث هو مجاملة يمكن كانت لمعالي وزير التعليم العالي ولي أنا شخصيا، ولا يمكن لأي عمل مثمر أن يستمر بطريق المجاملة، أنا تعودوا مني الناس وتعودت ورُبّيت على ذلك، وأنا أجلس اليوم في هذا الوطن العظيم، ما يقبل من واحد مثلي أو الجالسين إلا الكلام الصحيح، وهذا ليس تقليلا من قدر الناس بقدر ما هو انتقال بالكلمة للمرحلة الثانية، وهي أننا اليوم نجلس ولله الحمد وكثير من الوجوه التي كانت تعمل في ذلك الوقت، ونستشعر هذه الانطلاقة العظيمة للعناية بالتراث الوطني، وفي رحم هذه الجامعة، جامعة الملك سعود في الدرعية، والخطأ أن يقال جامعة الملك سعود في الرياض وإنما في الدرعية، والدرعية قد سُجل فيها ثاني موقع للتراث الوطني وأول موقع للتراث العمراني في المملكة على قائمة اليونسكو، ومشروع تطوير الدرعية الذي أتأمل من طلاب الجامعة الانطلاق والمساهمة فيه.
 
أنا أنظر اليوم في الوجوه التي تم تكريمها وأعتقد التكريم للجائزة وليست لهم، الدكتور الحصين الدكتور الجديد والدكتور يوسف من الجامعة عندما ذكرت سمو سيدي الأمير سلمان أعتقد سنة 1417هـ، ونحن في طريقنا للدرعية، وهذه كلها أسرار موجودة في كتاب (سيرة التراث العمراني) وإن شاء الله الحلقة الثانية منه قادمة قريبا، ذكرت ونحن في طريقنا للدرعية هل يا سيدي يعقل أن تبقى الدرعية التاريخية وهي مقر الدولة السعودية الأولى التي جمعت شمل شتات هؤلاء الناس وتحت مظلة الخير والبركة والنمو، هذه الجزيرة الآمنة التي يعيش الناس في براكين نحن نعيش في كنف هذه الدولة الآمنة المستقرة، هل يعقل أن تبقى هذه خرابة، ويحفظه الله نهض وقال لي هل لديك استعداد لتقديم الدراسة، وقلت أنا حاضر، وعندما أتينا عند محافظ الدرعية الله يرحمه، الشيخ الباهلي، والمهم أن نستذكر ذكرياته لأنه مهم أن نستذكر والحديث لا يكون مكرر وشكر وتقدير وإشادة وكذا، أنه جلس وسكان الدرعية كانوا موجودين وفاجأني وفاجأ الجميع وقال إننا سوف نقوم بتطوير مشروع الدرعية ومن ضمنها الدرعية التاريخية لتكون موقعا للتراث العالمي، وهذا الكلام قبل إنشاء هيئة السياحة بست سنوات، حتى ما يحسب الدكتور علي الغبان أن كل شيء سوته هيئة السياحة، وأعلن أنه كلفني الله يسلمه ورئيس البلدية وأمين الرياض ومجموعة وقمنا بدراسة، وأول من أستنجد به كما أستنجد بهم اليوم بهذه الجامعة العظيمة، من الأخوة في الجامعة من الدكتور يوسف والدكتور الحصين والدكتور الجديد ومجموعة خيّرة من الناس الذين عملوا لمدة ستة أشهر وقدمنا برنامج تطوير الدرعية الذي وافق عليه المقام السامي الكريم وانطلق على أساسه مشروع تطوير الدرعية الذي شهد اليوم بنائه ولله الحمد، وأنجز وادي حنيفة والدرعية التاريخية سيتم إنجازها خلال سنة ونصف أو سنتين، وهذه كلها أحلام تحققت إن شاء الله.
 
ما تحقق أيضا هذه النقلة الكبيرة جدا في العمل مع الجامعات السعودية، ونحن ننطلق اليوم من هذه الجامعة والجائزة القادمة ستكون في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وتنطلق جائزة التراث العمراني أيضا على أبعاد مختلفة. الهيئة العامة للسياحة والآثار عندما نشأت، وكانت نشأت من الصفر، لم تكن هناك مؤسسة أو أفراد أو أي نوع من العمل، فكنت أستدعي وأستنهض الجامعات أن تمدنا بالناس، وكنت أقابل الكثير من الرجال المخلصين الذين يعملون معنا ولازالوا يأتون من الجامعات, ولكني أتذكر وأقول أن هذا سري إلى حد ما ولكني أقوله باعتزاز، كان الكثير من الأخوان يأتون من الجامعات وكنا نجلس في حلقات ونناقش نقاش لا منتهي، وكان التنظير يطغى، وكان نوع من النقاش غير المنتهي والأوراق التي تقدم لا تنتهي، سويت لوحة وكتبت عليها باللغة الإنجليزية (هذه ليست الجامعة)، وكلما النقاش استفحل وضعت اللوحة أمامي، لكن بعدين صارت نوع من الفكاهة، هذه اللوحة أعطيناها التقاعد رسميا، سوينا تقاعد رسميا واستدعيت كل الزملاء في الهيئة ولدينا يمكن صورة لها وسوف تنزل في الكتاب الجديد، وأتينا باللوحة وأعلنا تقاعدها عندما صارت النقلات الكبيرة برعاية خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وتوجيههم لمسار التعليم العالي وبرعاية هذا الرجل المخلص الذي لا ينام، الدكتور خالد، باستنهاض دور الجامعات والتعيينات الكبيرة التي حصلت في الجامعات وإعادة الجامعات لدورها الحقيقي الذي هو دور يهم المجتمع وينخرط في صلب أعمال المجتمع، بأننا أعطينا هذه اللوحة التقاعد الرسمي، وأنا قلت للإخوان أنه قريبا إن شاء الله سيكون عندي لوحة اسمها (يا ليت هذه الجامعة) وليست (هذه ليست الجامعة)، ولذلك أحببت أن أشكر اليوم هذه الجامعة وهذه الكلية على احتضانها هذا الموضوع، وأنا لا أحب أن نقوم بالأشياء منفردة ومنفصلة عن بعضها البعض، ما نقوم به اليوم هو حقيقة إعادة تكوين وحضور جديد لما يُسمي البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية، وأنا اتفقت مع الجامعة ولدينا الآن برنامج وجولة لعرض البُعد الحضاري في الجامعات، ويُعدّ أحد رموز ذلك العرض البارزة على المستوى الخارجي هو عرض البعد الحضاري في جولات متحف آثار المملكة العربية السعودية، آثار الجزيرة العربية، طرق التجارة، والذي بدأ في اللوفر وانتقل لإسبانيا وسيفتح إن شاء الله بعد أسبوعين أو ثلاثة في روسيا، وسينطلق بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين إلى عدد من الدول بمشيئة الله.
 
البعد الحضاري في المملكة العربية السعودية، هذا البعد المغيّب عن الذهن الوطني وعن ذاكرة المواطن، وأنا أقولها بكل ثقة، أننا بلا شك نحن داخليا وعالميا أولا بلد الإسلام ومهد الرسالة، ونعتز بهذا الدور العظيم، وهذا هو الدور الذي لم يتغيّر والحمد لله منذ 400 سنة، هذه البلاد عندما سُئلت من مجلة (الدير شبيجل) الألمانية منذ يومين، ماذا حدث في المملكة العربية السعودية الذي جعلها مستقرة والعالم في هذا المخاض من حولنا، فقلت المملكة العربية السعودية قيادتها لم تأتي على ظهر دبابة، هي نبتت من هذه الأرض الطيبة، وقيم هذه البلاد التي اجتمع عليها أهلها لم تتغير ولم تتأثر بالحضارات المتعاقبة أو بالفلسفات الاقتصادية أو السياسية أو تتقلّب مع الزمن أو المصالح، في أوج الفقر الذي عانت منه هذه الدولة وآثار هذا مكتوبة في التاريخ، الدولة السعودية الأولى والثانية والدولة التي أقامها الملك عبد العزيز وأنتم وآباؤكم وأجدادكم عاونتم وعملتم فيها ولكم فيها أسهم، كانت عانت من أوقات عصيبة وأتت المغريات من كل طرف وحدب، حتى تتنازل أو تقلّل من دور العقيدة والتمسك بالإسلام والتمسك بهذه القيم، ودعنا في وقت من الزمن بأننا رجعيين وبعضنا يذكر ذلك، ومتخلفين لأننا نصلي وأننا نتمسك بالزي الوطني، ولأننا نتعامل بتعاملات القيم الإسلامية الحاضرة ولا نستهدف أن نتقمص شخصيات غربية ونتغير مع الزمن بحكم أننا نريد أن نتحضر، نحن نعرف أن تحضرنا يأتي من تمسكنا بالدين، وحضارتنا وقيمنا كلها هي أساسنا (وإنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وأن الأخلاق التي يتعامل بها الإنسان هي أرقى درجات التحضّر، ولكن مع ذلك نحن سبقنا غيرنا في المبنى والأشياء المادية، ولم نتلوّن مع الزمن، ولذلك هو حقيقة ما سبب أن هذا البلد ولله الحمد بخير دائما، وهذه المشاريع الكبيرة.
 
هذا البرنامج هو جزء تقوم به مؤسسة التراث مع الجامعات في برنامج أكبر أقرته الهيئة العامة للسياحة والآثار وعرض على مقام خادم الحرمين الشريفين، وهو تعزيز البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية، إعادة العناية والاعتزاز بهذا البعد الحضاري الكبير الذي يشمل الآثار والتراث العمراني والتراث المادي والتراث اللامادي مع وزارة الثقافة والإعلام، وأيضا تعزيز هذا البعد في الجامعات على هذه البرامج وبرامج أخرى قادمة إن شاء الله، وتعزيز هذه البرامج على مستوى التربية والتعليم والذي وقعنا اتفاقية مع الوزارة لتفعيله.
 
ونحن في المملكة العربية السعودية لماذا نهتم بهذا البعد الحضاري؟ لا شك  أن هناك عدة أبعاد ألخصها قبل أن أنهي كلمتي، هناك بُعد سياسي وبعد وطني كبير جدا، والمملكة العربية السعودية بكل فخر واعتزاز إنها بلد الإسلام والحرمين ومهد الرسالة، وما تقوم عليه المملكة العربية السعودية من خدمة الحجاج وملايين المعتمرين وتؤمنهم، هناك دول لا تستطيع أن تؤمن خمسة أشخاص وليست خمسة ملايين سنويا، والآن أصبحت أكثر من عشرة ملايين يفدون على العمرة، تؤمنهم وتخدمهم وتعتني بهم، وهذا كله بتوفيق الله تعالى، وهذا الأمن المستتب وهؤلاء المواطنين المجتمعين مع بعضهم، ويد الله مع الجماعة.
 
وأيضا في الخارج الناس تنظر إلينا بأننا بلد الإسلام وبكل أبعاده، سواء إيجابيا وفي بعض الأحيان وللأسف سلبيا من بعض الممارسات، وأيضا بعدنا الاقتصادي الذي هو بُعد أصيل ومعروف، ولا ننسى أننا أكبر بلد مخزون نفطي في العالم، ومصدر للنفط وأيضا للغاز قريبا، ولكن أيضا نحن بلد يمكن أكبر اقتصاد في العالم العربي وأكبر بلد صناعي في الوطن العربي، نحن الذين كنا نُدعَى أننا رجعيين، وفي الوقت نفسه نحن لدينا البُعد الاقتصادي هذا البلد الاقتصادي المتين الذي ومع تداعي الاقتصاد العالمية بقي واقفا ومتينا وبقي يضخ في عملية التنمية الشاملة التي وإن خرجت من هذا الباب رأيت فقط بعد أبعادها المادية، وليست الأبعاد غير المادية، منها أنتم البشر، تنمية البشر مثل برامج البعثات، اليوم أقرأ في الجريدة 20 ألف بعثة محلية تبنتها التعليم العالي بأكثر من مليار أو زيادة وأكثر من 150 ألف شخص مع أسرهم ويمكن يزيدون في جامعات الدنيا، هذا البلد لم يحاصر مواطنيه ويغلق عليهم الأبواب خوفا منهم، هذا البلد يتحدى مواطنيه أن يذهبوا ويحصلوا على التعليم ويأتوا ويَتحدَوا الأمر الواقع.
 
أنا كنت من الذين ذهبوا في البعثات الخارجية أكثر من 20 أو 30 ألف مواطن في ذلك الوقت قبل سنين طويلة مضت، والدولة لا تخاف من المواطن، فهي تثق به وتحترمه، وهذا الوطن لا يخاف ممن ذهبوا، هو يرحب بهم وسوف يستقبلهم بصدر رحب لأنهم سيأتون ويحدثون التغيير المنطقي الذي يتوافق مع التوجه الثابت لهذا البلد أن يبقى دائما متمسك بمنظومة القيم.
 
وهذا البلد الذي يستثمر في الاقتصاد أيضا له بعد اقتصادي كبير، وبعد ثالث هام، وهو حضور هذا البلد وهذا الوطن العظيم في العلاقات الدولية، المملكة العربية السعودية اليوم تعدّ حاضرة فيه، وهي التي قدمت للعالم حوار الأديان وحوار الحضارات، المملكة حاضرة في المجلس الاقتصادي العشرين الذي يحتضن أهم 20 دولة اقتصادية في العالم، المملكة اليوم، والذي لا يصدق ذلك يسترجع الإنترنت، ويشوف رؤساء الدول والوفود التي تأتي بشكل مستمر لتستطلع رأي المملكة وتستنجد بالمملكة، وتطلب من المملكة التدخل لتنظيم أمور البشر، المملكة دورها الريادي الذي عرفه اليوم العالم هو دور رائد في توحيد الصف وليس فقط توحيد الصف الإسلامي والعربي، ولكن أيضا توحيد الصف العالمي، لأن دورها الإيجابي الذي ظهر للصورة مهما بلغ، يقال من القنوات الفضائية التي تبثّ السم ومواقع الإنترنت المأجورة، المملكة دورها واضح ومستتب، أنها بلد السلم وتجميع القلوب وتريد الاستقرار وتريد للعالم أن يستقر ويجتمع، لأن المملكة وقائدها العظيم الملك عبد الله حفظه الله وأعوانه الكرام يبني على هذه الأسس العظيمة، بأن مصلحة المملكة أيضا في استتباب العالم وفي استقرار الاقتصاد العالمي والأمن الذي يحيط بالأمة من هذه الأخطار الكبيرة.
 
ولذلك البعد الحضاري اليوم أصبح مهما أن يعرف كبعد آخر، هذه الدولة العظيمة لم تقم بالصدفة ولم تقم على أساس أنه اخترع لها دور، هذا الدور دور أصيل، دور نبع من تراكم حضاري وتاريخي عريق. المملكة قامت كدولة في هذه الجزيرة العربية على تراكم كبير من الحضارات الإنسانية التي تعود إلى آلاف ومئات الآلاف من السنين، ولذلك اليوم قيادتها تمارس دورا أصيلا وليس دورا مبتدعا أو جديد، ولا بد للعالم والمواطن قبل الخارج أن يعرف أن بلاده عندما يتكلم ملكها اليوم فهو يؤدي دوراً أصيلاً ويقوم بمهمة أصيلة استكمالا لهذا التراكم الحضاري وهذا التاريخ الذي حصل في الجزيرة العربية وهي أرض الحضارات، قامت عليها حضارات الدنيا وطرق السياسية، طرق التجارة والمصائب العِظام تقاطعت على أرضها ولا زالت، وهذا هو دور أصيل للمملكة وأبنائها وشعبها، أنها دورهم وقدرهم أن يعيشوا في هذا الموقع الجغرافي الحساس، والموقع الذي حباه الله تعالى بكثير من الخيارات، وأيضا يتواجد في صلب المشاكل والبراكين, وهذا الدور والحمد لله لعبته القيادة والمواطن بطريقة مثلى، مما جعل الاستقرار ممكناً، ولذلك وجود المعرفة الكاملة بالدور الحضاري لدى المواطن والتراث العمراني جزء كبير من هذا الدور الحضاري، ولذلك الهيئة العامة للسياحة والآثار تبنت هذا البرنامج الكبير مع المؤسسات مثل مؤسسة التراث التي أعتز بتأسيسها منذ سنوات طويلة، ومع الجامعات ووزارة التربية والتعليم والثقافة والإعلام والبلديات والوزارات الأخرى، بأننا انطلقنا والحمد لله في إنشاء المركز الوطني للتراث العمراني، الذي سوف يشهد انطلاقته الحقيقية قريباً، وهذا المركز الذي سوف يجمع جميع نشاطات الهيئة ضمن برنامج موحد مستقل عن جميع القطاعات ويرأسه رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، ويمثل فيه جميع الوزارات ومن ضمنهم من الأسماء التي ذكرت اليوم الذين بدأوا معنا عندما كان الناس لا يؤمنون بالتراث العمراني ولا يصدقون أنه يجب أن يهتم به الإنسان.
 
أنا أتذكر، وهذا الكتاب يعرض هذه القصص، عندما كان الناس في القرى يقولون لي في الزيارات أتركنا منها وخلينا نشيل القرية الخربة ونحط فيها فلل ومخططات، وهذه القرى تُخجلنا عندما يأتي أبنائنا مع ضيوفهم من خارج المملكة ونقول أننا كنا نسكن في هذه البيوت، وكنت أقول لهم هل تذكرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسكن في بيت من الطين وكان مسجده من الطين؟ وأنا أيضا أسكن في بيت من الطين. هل هذا قلّل من هذا الرجل العظيم الذي انطلقت على يده هذه الرسالة العظيمة التي غيّرت البشرية كلها وانطلقت إلى أصقاع الأرض. والآن أبشركم أولا أنه هناك ليست فقط عودة للتراث الوطني، ولكن عودة قوية بكل المقاييس في جميع الأماكن دون استثناء، لا نجد مكانا واحدا المواطنين لا يرغبون في استعادة هذا التراث العظيم، بل سباق قوي وضغط علينا للتحرّك ونحن الآن نقدم القروض عن طريق بنك التسليف والمؤسسات الأخرى وبرامجنا (لا يطيح) والبرامج الأخرى التي تضخ التدريب، وسوف نعلن قريبا إن شاء الله عن برامج أخرى من ضمنها التعليم الفني وبرنامج تصنيف المقاولين ضمن برامج التراث العمراني والدكتور مشاري النعيم يعتقد أنه أتى لمهمة سهلة في هذا المركز، وهو حقيقة سوف يأتيني بعد سنة أو سنتين ويترجاني أن يخلص من هذه المهمة، مثل ما يترجى معالي الدكتور عبد الله بعض جماعته الذين يشغلهم ليل نهار.
 
في نفس الوقت، الدولة حقيقة بقيادتها يحفظهم الله بدأوا هذه العناية بالتراث العمراني من وقت قديم، والمشاريع تضخ الآن في كل مكان والشركات بدأت تنشأ والدولة تموّل والبرامج تُعلن، فقط الأسبوع الماضي مع كلية السياحة والآثار أعلنا عن برنامج يتعلق أيضا بمسارات تدرب على التعامل مع التراث العمراني وإدارة المواقع، هذا البعد الاقتصادي التراثي العمراني أصبح حقيقة ماثلة اليوم، نحن نُراهن على هذا البعد التراثي العمراني، وما قمنا به من أننا ذهبنا بأكثر من 300 من رؤساء البلديات في تجربة غير مسبوقة على مستوى العالم، وهي تجربة شكك فيها الكثير، وكان هناك من يقول أن رؤساء البلديات يريدون أن يهدمون وحتى لو ذهبتم بهم إلى سطح القمر لن يستفيدوا من شيء، وأنا كنت في رأيي أنني أعرف رؤساء البلديات وهم متميزين ولكن مثلما قال الدكتور خالد اليوم، يذهب هو اليوم مع مدراء الجامعات كما نحن نذهب في الهيئة مع مدرائنا للتدريب والتمحيص حتى نجعل المسؤولين يحتكوا بالتجارب الأخرى، وبدأنا أول تجربة ووفرنا لها تمويل من الهيئة وبعض الجهات، وحتى الطائرة التي نقلت المجموعة إلى (سينا) ودتهم إلى (فيينا) بالغلط، وهي طائرة أحد رجال الأعمال، الرحلة الأخرى القادمة سوف تكون بعد شهر إلى اليونان، وهي الرحلة الثامنة، وبدأنا نضم لهم منذ الرحلة الماضية من الجامعة من المتميزين مثل الذين كرّمناهم اليوم من مدراء البرامج في الجامعة والطلبة المتفوقين يذهبون في رحلات وضم إليهم المحافظين، محافظي المحافظات بطلب من سمو سيدي الأمير نايف، وأصبحت تجربة رائدة بأن الناس ذهبوا ووجدوا القرى الخربة تحولت إلى آبار نفط، وأن برنامجنا لمركز الوطني للتراث العمراني أصبح اليوم شعاره اليوم (من الاندثار إلى الاستثمار) وأصبحنا ننتقل اليوم ذهنيا وعقليا لتوطين الوظائف في المواقع الريفية بالتضامن مع برنامج السياحة الريفية مع صندوق التنمية الزراعية، ونربطها بالقرى التراثية التي بدأ الآن ينشأ فيها الفنادق التراثية وبدأنا نوقع عقود بين الشركات وأصحاب القرى وقطاع السياحة سوف يكون أكبر مورد للفرص الوظيفية للمواطنين في القطاع الاقتصادي في سنين قليلة إن شاء الله.
 
الهيئة أعلنت عن الاستراتيجية المحدثة للسياحة الوطنية، وأرقامنا اليوم أدق بكثير من قبل عشر سنوات لم يكن هناك أرقام أساساً، وإحصائياتنا أصبحت متميزة، مركز الإحصائيات السياحية والأبحاث في الهيئة أصبح هو المركز المصنف الأول على مستوى المنطقة بعد سبع سنوات من إنشاءه، أصبح شريكا للأمم المتحدة في بناء القدرات في العالم العربي، هذه الإحصائيات والأرقام تدل على النبض للمواطنين وحضورنا في كل قرية ونحن الهيئة نغطي اليوم مئات من القرى وآلاف من المواقع السياحية، وأنا كرئيس للهيئة أعتز بزملائي الذين أنتقل أسبوعيا معهم والتقي بعشرات المواطنين على الأقل شهريا في كل مكان، أننا اليوم نعيش مرحلة انتقال كبيرة جدا ونؤكد ونجزم إن شاء الله على أن أرقامنا صحيحة، وأن السياحة الوطنية متى ما تم إن شاء الله احتضانها كما يجب كصناعة اقتصادية قبل كل شيء فإنها ستكون خيرا على الوطن والمواطن قبل أن يكون لها جانب عاطفي مع أهميتها على أن تُعرّف المواطن ببلده ويعرف هذه الحضارة الكبيرة كيف قامت وتنوّع الثقافات ويختلط مع المواطنين ويستمتع ببلاده.
 
أنا كنت في الطائف قبل يومين، ومعي فريق من ألمانيا من الخبراء، يقول لي واحد منهم وهو معاصر للمملكة وعمره 75 عاماً، رأينا أماكن جميلة، وقال لي لم أرى أماكن مثل هذه في حياتي، أنا ذهبت لجبال الدنيا كلها ولم أرى مواطنين أستمتع معهم مثل المملكة العربية السعودية، وأهم ما في هذه البلاد هو هذا المواطن المرحب الذي يفتح قلبه، ولدينا من يقول أن المواطن لا يريد السياحة في بلده، وهذا الكلام غير صحيح، هذا البلد قدره أن يكون منفتح، وقدر المواطن أن يكون بيته وبابه وقلبه منفتح للناس، لأننا نعيش في هذا التقاطع هذه الحضارات وهذه الطرق، ولو رفعت رأسك للسماء وشفت الطائرات فوق رأسك وهي تتقاطر على نقطة التقاطع في هذا العالم، والجزيرة العربية، ومعنا اليوم عالم الآثار الذي تعلمت منه الكثير الدكتور علي الغبان، الجزيرة العربية كانت في وقت من الأوقات تدير إلى حدّ ما اقتصاد العالم، ولذلك اليوم نحن نراهن إن شاء الله على أنه، وأنا أريد لهذه الكلمة أن تؤخذ عني وتُقال عني، أن قطاع السياحة الوطني متى ما تم إن شاء الله احتضانه، وهذا متفائل فيه هذا العام إن شاء الله، احتضانه بالكامل ودعمه كما يجب وإنشاء صندوق التنمية السياحية وتيسير المواقع السياحية للاستثمار لإقامة المنتجعات السياحية الكبرى وتذليل بعض العقبات التي تعترض الاستثمار ودعمه ماديا كما تدعم الصناعات الاقتصادية التي استحقت الدعم، هذا القطاع في أقل من خمس سنوات سيكون من أكبر القطاعات الثلاث الموظّفة للمواطنين، وأنا أريد أن يسجّل عني هذا الكلام، ولذلك تحدينا اليوم هو مئات الآلاف الذين سيعودون من برامج بعثات الملك عبد الله حفظه الله، هناك المئات من الآلاف من خريجي الكليات والجامعات يبحثون عن العمل، وسوف يعودون ليجدوا تجربة سياحية متكاملة في وطنهم، والمواطن يريد اليوم أن يعيش في وطنه وليس أن يسكن فقط، لا يكفي المواطن أن توفر له السكن، لكن أن توفر له بيئة مرحبة يتمتع بها مع أهله وأسرته، لا نريد المواطن أن يُسافر لإجازته في أول فرصة، والطيران اليوم صار بخمسين دولار، يأخذ أسرته إلى دول قريبة ويقضي أمتع أوقاته، نريد المواطن كما كنا نحن صغار أجمل ذكرياتنا كانت في وطننا. اليوم نحن نحتاج السياحة لأنها قطاع اقتصادي، نحتاج السياحة لأن هذا التراث الوطني جزء من مكوناتنا الأساسية وليست الترفيهية فقط، ونريد أن نحقق للمواطن فرصة كبيرة للاستثمار والتوطين، ولأن يبقى في قريته ومدينته ويجد فرصة عمل وفرصة استثمار.
 
هناك الكثير لكني أحببت اليوم أن أشكر الجميع وأؤكد على هذه الفرصة السانحة بوجود هذا الرجل الذي أتمنى له التوفيق، الدكتور خالد العنقري، المتجدد وخاصة في هذه الجامعة، والدكتور عبد الله والدكتور عبد العزيز وزملائهم. القيادة تريد هذا أن يحصل، فيما يتعلق بالتراث العمراني، ومؤسسات الدولة ومنها الهيئة والبلديات والوزارات الأخرى تريد هذا أن يحصل وتساهم فيه ماديا ومعنويا، والداخلية والمناطق متعاونة معنا في كل شيء، والوزارات الأخرى اليوم تقدّم مشاريع الطرق، والمياه، والكهرباء للقرى التراثية، بعد القرى زادت مشاريع الدعم فيها عن 60 مليون ريال وبدون تردد من الوزارات، اليوم أصبح هذا الأمر حقيقة بعد أن كنا نذهب ونستجدي أن نقوم بشيء صغير على أرض الواقع. ولذلك أنا متفائل إن شاء الله بالمستقبل، ومتفائل بمستقبل هذه الجامعة، وأحب اليوم بعد أن تفاهمت مع معالي الدكتور خالد لتفعيل الاتفاق الموقع لإنشاء مركز البناء بالطين في الجامعة،وإن شاء الله ينطلق مركز البناء بالطين في جامعة الملك سعود، ونحن في الهيئة سنوفر له موقع تدريبي في حي الطريف، ونريد هذا المركز أن ينطلق في فعاليات العام التراثي القادم إن شاء الله، وأعتز أنا بشراكتي مع الجامعة بالكراسي، والتي تكرّم علي بها الأخوان، أنا لست من أصحاب رؤوس الأموال وإنما رؤوس الأعمال، أنا مستعد أن أعمل بجهدي ولكن أيضا سوف نساهم مع الجامعة ماليا إن شاء الله في كل هذه البرامج كما نساهم مع مؤسسة التراث، وسوف نضيف جائزة أخرى للبرامج الجامعية التي تهتمّ بالتراث العُمراني في الجامعات، وهذه الجائزة الجديدة سوف نضعها العام القادم وإن شاء الله، نضاعف قيمة الجوائز أيضا.
 
أنا شاكر لكم ومقدر للأخوة والأخوات وأطلت عليكم لأن الحديث حقيقة يحتاج أن يوضع في هذا الصندوق، لأن العمل كثير وما زال هناك المزيد. هناك مطبوعات وزّعت والكتب موجودة على موقع الهيئة الغني بالمعلومات، ونطلب الأخ ماجد الشدي مدير الإعلام وهو رجل نشيط، أن كل هذه المطبوعات تكون متوفرة على موقع الهيئة.
وأشكركم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.+