كلمة سمو الرئيس في منتدى تكنولوجيا الفضاء العالمي

  • Play Text to Speech


كلمة
صاحب السمو الملكي الأمير
سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز
أخصائي بعثة المركبة الفضائية ديسكفري STS-51G
17-24 يونيو 1985
من المملكة العربية السعودية
في
منتدى تكنولوجيا الفضاء العالمي
المنعقد من
7-9 ديسمبر 2009
في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة
 
أيها الحضور الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنه لمن دواعي الاعتزاز والسرور أن أكون من ضمن الحاضرين في هذا الجمع المتميز. وفي واقع الأمر قد أكون من الأشخاص الأقل تأهيلاً للتحدث عن موضوع هذا المنتدى، إلا أنني وعلى الرغم من ذلك قررت المشاركة في هذا المؤتمر رغبةً مني في الاستفادة من المناقشات التي سيتم طرحها فيه، إضافةً إلى كونه فرصة للالتقاء ببعض كبار العلماء والخبراء في مجال علوم الفضاء.
كما أتمنى أن تضيف مشاركتي جانباً آخراً للمؤتمر نظراً لأني قد أكون المشارك الوحيد الذي سافر فعلياً إلى الفضاء.
قبل حوالي 25 عاماً (نعم علي الاعتراف بأني كبرت!) حظيت بأن أكون أحد أعضاء فريق مهمة المكوك الفضائي الثامن عشر STS 51G. ففي تمام الساعة 7:33 دقيقة صباحاً بتوقيت فلوريدا أطلقنا أنا وأفراد الفريق الستة المهمة التي استمرت لسبعة أيام إلى الفضاء الخارجي حاملين معنا (3) أقمار صناعية لدواعي الاتصال ومنها القمر الصناعي الثاني للعالم العربي، إضافةً إلى عدد من التجارب العلمية المختلفة. والأهم من كل ذلك أننا حملنا على عاتقنا مسؤولية استمرارية تجارب ونجاحات الرحلات الفضائية التي تمت على مر السنين.
وإضافةً إلى مهمتي المتمثلة في التواصل بين بعثتي وفريق العلماء الذين عملت معهم على التجارب العلمية من جهة، فقد حملت على عاتقي مهمة أخرى تتمثل في التواصل مع ملايين الشباب من العالم العربي والإسلامي الذين كانوا يتابعون للمرة الأولى رحلات الفضاء الخارجي بتلك الصورة الواضحة والاهتمام المباشر. لقد كان الاهتمام بالعلوم والسفر إلى الفضاء مقتصراً على العرب والمسلمين الذين شاركوا في الأحداث الفضائية الرئيسية مثل صديقي د. فاروق الباز الذي ساهم في برنامج أبولو الذي هبط على سطح القمر وأمثاله من العلماء المميزين.
وعند الإعلان عن مهمتنا، بدأ طرح العديد من الأسئلة المكررة في عالمنا حيث بدأ الاهتمام بمسألة السفر إلى الفضاء يزداد بين العديد من المجتمعات العلمية، ومن تلك الأسئلة والاستفسارات ما يلي:
لماذا نذهب إلى الفضاء؟
هل على الناس السفر بأنفسهم إلى الفضاء؟ ألا يمكننا إرسال الإنسان الآلي كبديل؟
هل هناك مبرر لصرف تلك المبالغ الضخمة على برامج الفضاء؟
أليس من الأفضل صرفها هنا على الأرض لمكافحة الفقر والأمراض؟
ولقد قضيت وقتاً كبيراً على مر الخمسة والعشرين عاماً الماضية في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة المنطقية التي طرحها جمهور واسع من العالمين الإسلامي والعربي، وطلبة الجامعات والمدارس، والعديد من الأطفال ومنهم أبنائي نظراً لشغف الجميع بمعرفة الإجابات وتعلم المزيد.
لقد كان تغيير تلك الصورة جزءً من مهمتنا. وقد حددنا هدفنا الأساسي في: جذب اهتمام الشباب في منطقتنا من العالم بالفضاء بشكل عام، وبالعلم والتكنولوجيا بشكل خاص. كما أننا طمحنا لزيادة وعي واهتمام العامة بالفضاء والعلوم المرتبطة به على أمل التأثير على السياسة العامة للاهتمام بصورة أكبر بمجالات الرياضيات والعلوم في المناهج التعليمية وتكثيف الدعم المقدم للبحث العلمي.
ويمكننا اليوم التعبير عن مدى سعادتنا بالتطورات المذهلة التي شهدناها على مر الخمسة والعشرين عاماً الماضية. والحقيقة أن تجربتنا الأولى في الفضاء قد حملت في طياتها تأثيراً محفزاً وهاماً وفقاً لما طمحنا له، وباستخدام تعبير من تعبيرات NASA يمكنني أن أقول أن "المهمة تمت بنجاح".
 
إن السماع عن "أشخاص" يسافرون للفضاء يختلف تماماً عن معايشة السفر على متن مركبة فضائية مشتعلة. وفي بدايات عصر الاهتمام بالفضاء كانت الوعود تقطع بإرسال البشر إلى القمر لتحفيز الرأي العام وزيادة دعمه لبرامج الفضاء، وجذب نخبة العلماء في ذلك الوقت لهذا التحدي الكبير.
وأذكر ذلك اليوم في عام 1969 عندما تسمرنا أمام التلفاز الذي يبث الصورة بالأبيض والأسود لمشاهدة إحدى أهم اللحظات في تاريخ البشرية وهي أولى خطوة لإنسان على سطح القمر، وقد كانت من اللحظات القليلة في حياتي التي أثرت علي كإنسان وكشاب في بداية حياته يفتش عن تصور للمستقبل. وعلى الرغم من أن مهمتنا الأولى للفضاء لم تكن بالجاذبية والأهمية التاريخية التي كانت لأول هبوط على سطح القمر، إلا أنها أثرت دون شك بشكل قوي على جيل الشباب.
وإلى اليوم أقابل شباباً يرونني صوراً خاصةً بي مع "آبائهم وأمهاتهم" عندما كانوا هم أطفالاً في عام 1985 (أكره رواية هذه القصة!) ويخبرونني كيف أنهم سمعوا عن المهمة من أهاليهم وكيف أنها كانت ملهمة ومحفزة لهم آنذاك، فالناس بحاجة للإلهام لتحقيق النجاحات والنجاحات قد تكون مكلفة.
 
وأذكر عندما سافرنا إلى الفضاء مع القمر الصناعي العربي الثاني في وقت كان الناس لا يزالون يناقشون في منطقتنا من العالم أهمية الأقمار الصناعية في حياتنا! واليوم يوجد أربعة أجيال جديدة من أقمار عربسات الصناعية التي تدور حول الأرض وتقدم خدمات قيمة لنا في المنطقة. وقد تم إطلاق عشرة أقمار صناعية وسيتم إطلاق قمرين إضافيين ليكونا في مداريهما في العام 2012.
 
هل يمكنكم تصور العالم دون دون أقمار صناعية؟
تصوروا عدم وجود تلفاز أو راديو مرتبط بالأقمار الصناعية، ولا صور فضائية لأحوال الطقس والزراعة، ولا وسيلة للبحث عن المياه والموارد الطبيعية وحماية البيئة!
 
تصوروا كيف ستكون الاتصالات الهاتفية وشبكة الإنترنت إن لم نكن طورنا تقنية الأقمار الصناعية!
 
ولإيضاح الصورة يمكننا القول بأن العديد من التطورات التقنية في عالمنا الحديث قد تم تطويرها إما بالاتصال بطريقة مباشرة مع برامج الفضاء، أو بصورة مشتقة منها أو قائمة على أساسها. وتعد مختلف الاختراعات العلمية والتقنية التي من شأنها تسهيل حياتنا اليوم وجعلها أفضل بدءً من صناعة الأدوية إلى تقنيات الطيران الحديثة والاختراعات الهندسية هي نتيجة الأبحاث الفضائية والسعي الدائم لاستكشاف الكواكب البعيدة.
 
ولم تكتف العديد من الدول في منطقتنا من العالم بالاقتناع بالإمكانات التي قد تحملها تقنية الفضاء والدور المؤثر الذي يمكن أن تقدمه لتطويرها فحسب بل إن بعض الدول قد اهتمت بهذه المسألة بصورة كاملة وأولتها الحماس الشديد ومنها دولتي على سبيل المثال.
 
لقد كانت المملكة العربية السعودية ولا تزال مؤمنة تماماً بأهمية الفضاء بالنسبة للتنمية الوطنية، وعليه كانت من أبرز مؤسسي القمر الصناعي عربسات والمساهم الأكبر في هذا المشروع، كما قد روجت وساهمت في نشر الوعي باستخدامات تقنية الأقمار الصناعية في المنطقة. وتمتلك المملكة العربية السعودية اليوم أكثر أنظمة الاتصالات تطوراً في منطقتنا، وهي اليوم من أكبر أسواق تقنية الاتصالات. كما ساهمت المملكة بصورة كبيرة في مجالات التعليم والتطوير العلمي. وعندما طُلب من فريق علمي المساهمة في التجارب التي تمت على متن المركبة STS-51G في العام 1985، كانت جامعاتنا على أهبة الاستعداد والحماس وكان للعديد منها علاقة بالفعل في بعض أنماط الأبحاث المرتبطة بالفضاء.
وتستمر جهود المملكة المكثفة في الاستثمار في التنمية العلمية والتكنولوجية والبشرية.
 
والآن، هناك أكثر من 80,000 مبتعث سعودي ممن يدرسون في الخارج في مختلف دول العالم، إلى جانب (24) جامعة حكومية و(8) جامعات خاصة جاري العمل على تشييدها إضافةً إلى الـ (19) جامعة الموجودة بالفعل والتي يستفيد منها حوالي (800,000) طالب وطالبة. وتم تخصيص ما يزيد على 25% من ميزانية الدولة لإحداث نقلة في التعليم بمختلف مراحله في البلاد للارتقاء بمستواه وتمكينه من مواجهة التحديات والفرص في القرن الواحد والعشرين وما بعده بالتركيز بصورة رئيسية على العلوم والتكنولوجيا.
 
وقد نجحت العديد من جامعاتنا بالفعل في الارتقاء إلى مصاف أفضل المعاهد العلمية على مستوى العالم، ونجحت في تركيز برامجها على البحث العلمي والتنمية التقنية.
 
كما استثمرت المملكة بصورة كبيرة في مجالات تعليم الموهوبين والنوادي العلمية للشباب ومراكز العلوم. كما أنها تعهدت وقامت بتمويل خطة وطنية طموحة لتطوير العلوم والتكنولوجيا. وتم إطلاق برنامج هادف وطموح لعلوم الفضاء كنتيجة أساسية لمهمتنا الفضائية بحيث يركز على التقنيات المرتبطة بعلوم الفضاء والأقمار الصناعية (وستتعرفون على تفاصيل أكثر عن هذا الموضوع من زميلي صاحب السمو الدكتور تركي بن سعود نائب رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تنفيذ الخطة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا).
وقد كان العام 2009 عاماً مميزاً بالنسبة للمملكة حيث يعد تدشين جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية نقطة تحول في التعليم العالي في المملكة العربية السعودية ودول المنطقة، وخطوة رئيسية لوضع العلوم والتكنولوجيا في مقدمة أولوياتنا التعليمية والبحثية.
 
أيها الحضور الكرام،
أعلم أن العديد من النقاط التي طرحتها اليوم مألوفةٌ لديكم، ولكن رسالتي لكم في هذا الصباح هي أننا نعيش اليوم في عالم مختلف عما كان عليه عندما سافرت للمرة الأولى في مركبة فضائية عام 1985. ففي ذلك الوقت كان الفضاء حكراً على دول العالم الأول فحسب، وكان عدد رواد الفضاء القادمين من دول العالم الثالث قليلاً ناهيك عن القادمين من دولة مسلمة أو دولة عربية. ولم يكن هناك أي برامج وطنية لعلوم الفضاء أو برامج بحث جادة على مستوى الجامعات في معظم دول العالم الثالث، كما كان عدد علماء الفضاء المسلمين أو العرب قليلاً جداً وكان معظمهم ممن عملوا أو درسوا في المعاهد الغربية أو معاهد الاتحاد السوفيتي. كما كان اهتمام العامة وإدراكهم واهتمامهم بالفضاء محدوداً جداً، كما لم تكن هناك أي مناسبات وفعاليات كهذا المؤتمر تعقد في هذا الجزء من العالم.
 
ولم تكن مصطلحات مثل العولمة والإنترنت مألوفة لدى ولا حتى مصطلحات الرسائل المباشرة والأجهزة المتطورة مثل البلاك بيري الذي يستخدمه الملايين الآن. ولم يتمكن الناس في عام 1985 من التنقل بين مئات المحطات الفضائية أو السفر بكل يسر وسهولة إلى مختلف أرجاء الأرض لأغراض التجارة والسياحة، فقد كان الاحتكاك بالمجتمعات والثقافات الأخرى حكراً على الصفوة القليلة فقط. كما لم يكن تبادل الخبرات العلمية والوصول إلى قوائم البيانات بالسهولة التي نتمتع بها اليوم على الإطلاق. وأذكركم مجدداً أنني لا أتحدث عن العصر الحجري كما يقول أحد أبنائي، بل إنني أتحدث عن العام 1985!!
 
والآن، وفي ظل هذه التطورات الهائلة الحاصلة الآن والتي ستطرأ في المستقبل القريب إن شاء الله، كيف يمكننا وصف نفسنا كمنطقة؟
 
نحن نعد اليوم بالفعل جزءً من عالم يكمل بعضه البعض، وكل ما نقوم به سعياً لتطوير مناطقنا يؤثر على التطورات العالمية ويتأثر بها وهذا يشمل التطويرات العلمية المرتبطة بعلوم الفضاء. والعولمة التي نعيشها اليوم نشأت وأصبحت ممكنة في ظل توفر الوسائل التي مكنت من التواصل البشري المتطور. وتم تحفيز العديد من هذه التطورات بواسطة النجاحات العلمية الهامة التي حصلت على مر التاريخ والأبحاث المرتبطة بعلوم الفضاء.
 
ومن هذا المنطلق، علينا البدء بالتفكير بأنفسنا في هذه المنطقة باعتبارنا مساهمين في مستقبل البشرية كما فعل أجدادنا من عظماء العرب والمسلمين. وقد عبر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عن هذه النقطة بكل لباقة في خطابه الافتتاحي أثناء تدشين جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا في 23 سبتمبر 2009، وأقتبس هنا قوله:
 
"لقد راودني الحلم بإنشاء هذه الجامعة منذ ما يزيد عن 25 عاماً ..."
"تاريخياً، لعبت الحضارة الإسلامية دوراً رئيسياً في خدمة البشرية ... وقد ساهم عظماء علماء المسلمين في العديد من العلوم المختلفة ...".
"ولذلك، لم تنشأ هذه الجامعة التي نحتفل بافتتاحها اليوم من فراغ، فهي استمرارية لما يميز حضارتنا في عصرها الذهبي ...".
 
أيها السيدات والسادة،
إن تاريخ هذا الكوكب عندما سيكتب ستنعكس فيه إنجازات وإسهامات البشرية تجاه الإنسانية ككل وليس فقط تجاه إقليم أو عرق معين. وعلى الرغم من أن الاستفادة من علم وتقنية الفضاء مهمة لنا، فإن الاشتراك في بناء مستقبل الإنسانية من خلال بناء المعرفة والتعاون العلمي تبقى مسألة على نفس الدرجة من الأهمية.
 
نحن نعيش على كوكب واحد، وعلينا الاستفادة من القوة التي جلبتها العولمة لبناء عالم جديد يتناسب مع تطلعات الأجيال القادمة لتتمكن من العيش برخاء وازدهار.
 
ومن أبرز الفوائد التي ساهم بها رواد الفضاء لصالح مستقبل كوكبنا هي هذه اللحظات التي تبعث على التفاؤل والطموح والتي نجحوا في نقلها إلينا عندما شاهدوا بأعينهم مركبتنا وكوكب الأرض للمرة الأولى وهي تسبح في تلك البقعة السوداء من الفضاء، فهي لحظة واقعية ليس لها مثيل.
 
تخيل فقط أنك تعيش في منزل طيلة حياتك وأنت تنظر للخارج، وللحظة فقط تمكنت من الصعود إلى قمة تل لإلقاء نظرة على بيتك وقريتك أو جزيرتك القابعة في وسط الصحراء أو البحر.
 
لقد حالفني الحظ بأن تمكنت من معايشة تلك اللحظات في الفضاء عام 1985، وعلى الرغم من الزمن الذي يفصلنا عن تلك اللحظات والذي قد يعد بعيداً، إلا أن تلك الذكريات حاضرةٌ في ذهني ومحفورة بداخلي كأنها حصلت من خمس دقائق فقط.
 
وأتذكر في إحدى المرات التي سألني بها أحد الصحفيين عن الأفكار التي كانت تدور في ذهني عندما رأيت الأرض للمرة الأولى من الفضاء أنني قلت:
 
"في اليوم الأول كان كلٌ منا يشير إلى بلده، وفي اليوم الثالث أو الرابع أصبح كل منا يشير إلى قارته، وبحلول اليوم الخامس أدركنا بأننا نعيش على أرض واحدة".
 
لطالما اعتقدت بأنه لو تمكن عدد أكبر من الأشخاص من السفر للفضاء، وهو ما شعرت به من حينها، وتمكنوا من النظر إلى الأرض بنفس المنظور، فإنهم سيدركون أننا جميعاً مسافرون على نفس المركبة ومتجهون إلى مصير واحد مما سيجعل العالم أفضل حالاً اليوم.
 
أشكركم على حسن استماعكم، مع تمنياتي لسير المناقشات بصورة ناجحة.
.+