كلمة ارتجالية لسمو الرئيس في المؤتمر السعودي الدولي لتقنية الفضاء و الطيران

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز
 
في المؤتمر السعودي الدولي لتقنية الفضاء والطيران
 
 
ايها الحضور الكرام – السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
يشرفني ان اكون معكم في المؤتمر السعودي الدولي لتقنية الفضاء والطيران برعاية كريمة من رجل العلم والتفوق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يحفظه الله والذي تنظمه مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتنقية بالتعاون مع وكالة الفضاء الامريكية (ناسا) كما يسعدني ان نكون جميعاً في رحاب هذه المدينة العلمية المرموقة.
لقد تزامن هذا المؤتمر مع مرور خمسة وعشرين عاماً على أول مهمة للفضاء لعالمنا العربي والاسلامي ولبلادنا الغالية على متن المكوك الفضائي ديسكفري.
ولقد كانت تلك السنوات الماضية مليئة بالأحداث التاريخية، فقد انتقل العالم من حال إلى حال، وشهد تحولات سياسية، وعلمية،واقتصادية وإنسانية كبرى. فخلال تلك السنوات الخمس والعشرين، تغيرت التوازنات السياسية، وتسارعت التطورات العلمية، ودخل العالم عصر الإنترنت والحاسب الشخصي، وتطورت وسائل التواصل الاجتماعي والإلكتروني, كما عاشت بلادنا العربية والإسلامية مرحلة مهمة من تاريخها شهدت حروبًا كبرى، وتحولات سياسية واقتصادية مهمة، ومرت شعوبها بمخاض إنساني وإجتماعي لا زالت تبعاته، وتطوراته تصاحبنا حتى يومنا هذا.
وعندما نستذكر المشاركة العربية الأولى في الفضاء، فإنه من المهم أن نستوعب الحقبة التي حدثت فيها هذه المشاركة التاريخية. فلقد كانت حقبة مر خلالها العالم العربي بمرحلة حرجة، ولم تكن وسائل التقنية المتوافرة اليوم متاحة، أو حتى معروفة للعامة .فما بالك بتقنية الفضاء، أو مجرد التفكير في المشاركة في رحلة فضائية لمواطن عربي مسلم وفريق لإجراء التجارب العلمية.
وحيث ان السفر إلى الفضاء موضوع مشوق ومثير للفضول، فلم يكن مستغربًا أن يحدث في بلادنا ما حدث في بلاد أخرى مثل الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وأوروبا، من اهتمام بالغ عندما شارك أبناؤها في رحلات فضائية ولذلك أكدت أكثر من مرة، أن ما حدث من احتفاء وتكريم للمشاركين بعد الرحلة، إنما كان احتفاء الناس بأنفسهم، وتكريمهم لإنجازهم، واعتزازهم ببلادهم، فلم يكن الأمر تكريمًا لمجموعة أفراد، بل لأمة رأت نفسها تنتقل من مرحلة إلى مرحلة، وتعبر عبر جسر جديد نحو المستقبل.
في المملكة العربية السعودية تمت المشاركة الفضائية، والمملكة في زمن كانت تنفض فيه غبار مرحلة التنمية والبناء الكبرى التي شهدتها خلال سنوات قلائل عن عباءتها. ولعل أحد أهم آثار رحلة الفضاء الأولى هو أنها لفتت الانتباه إلى أن الدولة، وكما استثمرت في إنشاء الطرق والمصانع، استثمرت، أيضًا، في بناء الإنسان. فالمشاركون في برنامج رحلة الفضاء هم من المواطنين الذين استفادوا من استثمار الدولة في التعليم المتقدم، وها هم اليوم يشاركون في أحد أهم مجالات العلوم والتقنية وأعقدها في العصر الحديث، مثل: الفضاء، والطب، والهندسة، والطيران وغيرها من المجالات العلمية التي تميز، بل تفوَّق فيها المواطن السعودي.
لقد مثَّلت تلك المشاركة، أيضًا، نقطة ضوء رأى العالم من خلالها أننا كمسلمين، نتوق إلى العلم والتحدي، وأن الإسلام هو دين العلم والتفوق، وأننا نريد ونستطيع المشاركة في صنع المستقبل.
لقد تذكرت هذه المنعطفات المهمة، وأنا أستمع إلى كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله - خلال افتتاحه جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية عام 1430هـ، 2009م والتي ذكر فيها بقولة يحفظه الله:
" لقد راودني الحلم بإنشاء هذه الجامعة منذ ما يزيد على 25 عامًا أضاف: تاريخيًا، لعبت الحضارة الإسلامية دورًا رئيسًا في خدمة البشرية... وقد أسهم عظماء علماء المسلمين في العديد من العلوم المختلفة. ولذلك، لم تنشأ هذه الجامعة التي نحتفل بافتتاحها اليوم من فراغ، فهي استمرارية لما يميز حضارتنا في عصرها الذهبي."
ولعل هذا المؤتمر يأتي ونحن نستشرف مرحلة جديدة من مراحل التحدي الإنساني, والتي يقودها قائد ملهم يتوق للتفوق والانجاز ويسانده ولي عهد أمين مخلص لايهاب التحدي, فالمملكة اليوم تسير على خطى واثقة نحو الريادة في مجالات الفضاء والمعرفة والتقنية الحديثة, كما أننا اليوم، ومهما اختلفت المواقع الجغرافية، واللغات، والأديان، فإننا لا نزال بشرًا خلقهم رب واحد، ونعيش على كوكب واحد، ويربطنا مصير واحد على هذا الكوكب. وأن المستقبل يحتم علينا أن نعمل ونتعاون في سبيل خير الإنسانية جمعاء، وأن نتعايش في إطار الاحترام المتبادل، في ظل القيم الإنسانية التي تربطنا ببعضنا بعضًا.
كما يجب أن نعي، نحن المسلمين، أننا أصحاب رسالة عظيمة للبشرية جمعاء، وهي رسالة سلام، واحترام، وأخلاق، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، كما هي رسالة علم واحترام للعلماء، كما أن علينا أن نمارس مهماتنا الجسام في بناء مستقبل الإنسانية وعلى أعلى قدر من المسؤولية.
ولعلي اذكر ماقلته لأحد الصحفيين خلال رحلة الفضاء عند سؤالي عن أنطباعاتي عند رؤية كوكبنا الأرض من الفضاء لأول وهلة، فقلت ، (( في اليوم الاول من مدارنا حول الأرض كان كل منا يشير إلى بلدة عند مرورنا فوقها.. وفي اليوم الثالث والرابع بدأ كل منا يشير إلى قارتة، ومع قدوم اليوم الخامس لم ندرك إلا كوكب واحد))
لقد مرت خمسة وعشرون عامًا على مشاركة المملكة في رحلة الفضاء وكأنها لحظة واحدة. وأجدني هنا مستذكرًا، وبعد مرور السنوات، بكل الخير والاعتزاز الدور المشرِّف الذي قام به المخلصون في سبيل إنجاح هذه المشاركة الفضائية الأولى، مع كل ما اكتنف الترتيب لها من صعوبات، وعلى مدى فترة زمنية ضيقة كادت تجعلها مهمة مستحيلة، ولقد كان لقيادة ومواطني هذه البلاد المباركة ووكالة الفضاء والطيران الأمريكية ناسا الدور الأول، بعد توفيق الله، فيما تحقق لهذه المهمة من نجاح.
ومن الواجب عليّ هنا أن أنوه إلى الجهود المثمرة التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وحكومة المملكة العربية السعودية على جميع الأصعدة العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ومن اهمها هو المجال العلمي. فلم تدخر هذه الدولة الطموحة وسعاً ولم تأل جهداً في توفير كل مايخدم البحث العلمي ومايفيد العلماء، وما يجعلهم يرتقون اعلى المراتب لما يخدم الرساله السامية لهذا البلد الكريم والإنسانية جمعاء بإذن الله تعالى.
إيها الحضور الكرام - اننا نؤمل أن يكون لهذا المؤتمر فائدة كبرى, لنأمل ان يكون في إعادة تسليط الضوء على الرحلة الأولى إلى الفضاء استذكار لما تم خلال السنوات الخمس والعشرون الماضية من إنجازات في هذا المجال في بلادنا وان يكون ذلك مصدر إلهام الاجيال وحافزاً نحو التفوق والإقدام نحو تحديات المستقبل بروح ملؤها الثقة والإعتزاز.
وإنني على يقين بإذن الله اننا أمة تتوق إلى المستقبل، وإننا قادرون أن نصبح مشاركين، لا متفرجين في ساحات العلوم والتفوق.
ختاماً أشكر معالي رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ومنسوبي المدينة لتنظيم هذا المؤتمر والملتقى, كما يسعدني أن أتقدم بالشكر لصديقي وزميلي منذ 25 عاماً رئيس وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) الجنرال تشارلز بولدن والأخوة الزملاء الذين شاركونا اليوم من متحدثين ورواد فضاء, كما أشكر اللجنة المنظمة متمنياً للجميع دوام التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
 
 
.+