كلمة سمو الرئيس في المؤتمر الدولي للتنمية الإدارية

  • Play Text to Speech


كلمة
صاحب السمو الملكي
الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز
رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والآثار
 
للمؤتمر الدولي للتنمية الإدارية الذي ينظمه معهد الإدارة العامة
الرياض 13-16 ذي القعدة 1430هـ (1-4 نوفمبر 2009م).
التنمية الإدارية - بناء القدرات المحلية
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أيها الحضور الكرام..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية أشيد بالرعاية الكريمة لهذا المؤتمر من لدن خادم الحرمين الشريفين (يحفظه الله)، كما أهنيء معهد الإدارة العامة على مرور خمسين عاما من الانجازات المميزة والمساهمات الكبيرة في التطوير الإداري الحكومي في المملكة، وأحييكم جميعا.
مرحباً بضيوف المملكة من الخبراء والقياديين في مجال الإدارة العامة، آملاً لكم وللمؤتمر النجاح، والخروج بتوصيات ومقترحات بناءة تسهم في رفع كفاءة وفاعلية جهود التنمية الإدارية.
الحضور الكرام:
أتحدث إليكم اليوم، ليس كخبير في الإدارة، بل كممارس في مجال الإدارة الحكومية، ولذا سوف أقوم من خلال هذه الورقة باستعراض ملخص تجربتي المتواضعة في تأسيس إحدى المؤسسات الحكومية الحديثة، والتي كلفت بمهمة تأسيس وتطوير قطاع اقتصادي كبير، والمحافظة على تراثنا الوطني الغالي، كما سأحاول المساهمة معكم، ومن خلال هذه التجربة، بتقديم مرئياتي الخاصة لما اعتقد انه أساسي للمساهمة في استمرار تطوير الإدارة المحلية في المملكة، مسترشداً في كل ما عملته بتطلعات القيادة ونهجها الإداري المتطور وتاريخها الحافل بالمبادرات التطويرية والإدارية, ومن توجهات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين في تطوير أجهزة الدولة لتواكب الطموحات والنقلات الكبيرة التي يؤمل أن تتحقق في بلادنا الغالية, ومن التوجيهات الكريمة والخبرة التي اكتسبتها من سيدي سمو ولي العهد الأمين، وسيدي سمو النائب الثاني، رؤساء مجلس إدارة الهيئة سابقاً يحـفظهم الله.
إن انعقاد هذا المؤتمر يأتي بتوقيت ونحن بأمس الحاجة في دولنا لمناقشة وتبادل الخبرات في مجال التطوير الإداري للمؤسسات الحكومية وآليات اتخاذ القرار كون الحكومة هي التي تقود وتوجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية أصلا، ولذلك، فلم يعد الحديث عن التطوير الإداري ترفا بل أمر أساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك لأسباب عـديدة أوجز بعض منها:
أولاً: إن القطاع العام، وليس القطاع الخاص، هو الذي يقود التنمية الاقتصادية ويحمل زمام المبادرة، كونه العمود الفقري في الهيكل الاقتصادي الوطني والمسئول عن فتح الآفاق الاقتصادية الجديدة، وحفز القطاع الخاص على الاستثمار وتوفير فرص العمل والخدمات. إن أهمية دور القطاع العام في الدول التي اجتازت مراحل متقدمة في التنمية لا تكمن فقط في ضمان توفير الخدمات بل إحداث النقلات الاقتصادية وتوجيه مسارات التنمية الاقتصادية على المديين المتوسط والطويل.
ثانياً: إن وقع المتغيرات والتحديات الاقتصادية والبشرية في بلادنا ومنطقتنا والعالم في تسارع، مما يفرض الحاجة إلى مضاعفة الجهد لتطوير ورفع كفاءة النظم الإدارية في القطاع العام وتمكينها من التعامل مع هذه التحديات بكفاءة أعلى.
ثالثاً: إن انعقاد هذا المؤتمر يتزامن مع ما يحدث في بلادنا من نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة ما يتطلب تطوير أداء الأجهزة الحكومية وعلاقتها مع بعضها البعض، ومع القطاع الخاص، ومع المجتمعات المحلية – وأهمية التوجه نحو اللامركزية – وتطوير الإدارة المحلية في المناطق وتمكين الأجهزة والمجتمعات المحلية من المشاركة في صنع القرار التنموي ومتابعة إنجازه.
رابعاً: إن تسارع التطور على مستوى العالم في مجال الاتصالات والتواصل البشري، والتفاعل السريع بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، يتطلب تطوير تجاوب الإدارة والإجراءات الحكومية لمتطلبات العصر ومواكبة الطلب المتزايد على الخدمات.
خامساً: إزدياد التنافس على الفرص والموارد بين الدول لتنمية اقتصادياتها، وأهمية أن يتزامن ذلك مع تطوير وسائل ومسارات اتخاذ القرارات وتبني المبادرات الرائدة لجذب الاستثمارات، والحد من الفرص الضائعة نتيجة للبيروقراطية التقليدية وتجاذب المصالح وتباين الأهداف بين أجهزة الدولة.
سادساً: الاستفادة من البيئة المؤاتية في ظل قيادة سياسية واعية تريد التطوير والإصلاح وتطالب بتحديث الإدارة الحكومية لمواكبة التطوير الشامل الذي تشهده بلادنا في هذا الوقت.
سابعاً: الاستفادة من الوفرة المالية ووجـود كـوادر إدارة متعلمـة ومتحفزة للتدريب ومجتمع مهيأ للتعاون.
ثامناً: أهمية تطوير أداء أجهزة الدولة لمقابلة التزايد السكاني والنمو الثقافي والتعليمي للمجتمع وازدياد متطلباته الأساسية.

الحضور الكرام..
ينعقد هذا المؤتمر الدولي متزامنا مع مرور تسع وسبعون عاماً على تأسيس المملكة العربية السعودية كدولة حديثة، وهي ذكرى عزيزة علينا، إذ استطاع الملك الموحد عبد العزيز (يرحمه الله) وأعوانه المخلصين، من نشر الأمن والرخاء في ربوعها والتأسيس لكيان متين وحديث مبني على العدل والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وعلى أساس أن الدولة تمثل المواطن، ترعى مصالحه وتقوم على خدمته وتمكنه من العيش والتطور بأمن ورخاء واستقرار.
ولقد أسس الملك عبد العزيز (يرحمه الله) لمشروع تنموي شامل للمملكة يستند إلى تطبيق أفضل الممارسات الإدارية، في وقت لم يتوفر في البلاد الحد الأدنى من الكوادر الإدارية المدربة. كما قام بالتركيز على توطين البادية في الهجر والقرى ، وتنظيم شؤون المواطنين وإنشاء المؤسسات وتمكينهم من التعليم المنظم – ليقوم المواطن بواجبه لاحقا في إدارة شؤون بلده ورعاية مصالحه وممارسة مواطنته. كما عمل رحمه الله على نقل الخبرات الإدارية من مواطني الدول الأخرى وتوطينها في المملكة، وصاحب ذلك الاستعانة بالمستشارين والخبراء المتمكنين لبناء الأنظمة الإدارية التي واكبت مسيرة التأسيس والتنمية آنذاك. وما تجربة تأسيس شركة أرامكو، واهتمامه باستيعاب التجربة الإدارية المتطورة نسبياً في المنطقة الغربية من المملكة، إلا أمثلة لحرص المؤسس على نقل الفكر الإداري المعاصر إلى النسيج الإداري لأجهزة ومؤسسات الدولة الناشئة.
 
كما حرص يرحمه الله على الحد من المركزية، وعَمل على أن يكون النظام الإداري منسجما مع الثقافة المحلية واحترام خصوصية المناطق، مدركاً تفاوت الثقافة الاجتماعية والإدارية، فعمد إلى تطبيق الإجراءات الإدارية التي تناسب كل منطقة، والى ما يحقق الاستجابة المتزايدة لمتطلبات المواطنين فيها – الذي هو الهدف الأول والأخير للعملية الإدارية. كما سعى إلى تمكين المجتمعات المحلية من متابعة مصالحها ذاتياً، وكان يمارس يرحمه الله نهجاً إدارياً أصيلاً في منح الثقة والصلاحية وحرية التصرف لممثليه في المناطق في إطار توجيهاته وسياساته العامة، ومن ثم المحاسبة على النتائج متمثلاً بمقولة معروفة له "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب".
إن المتأمل في المشروع التنموي العملاق للمؤسس، يلحظ أن أحد أهم مخرجاته هو اهتمامه بتركيز دور الدولة على صيانة الأمن والدفاع عن الوطن، وإدارة الاقتصاد والمؤسسات، وتمكين المواطن من ممارسة مواطنته، وتحقيق التكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص، وتفعيل ذلك التكامل من خلال تمكين المؤسسات بالكوادر والموارد والخبرات لضمان سير عجلة التنمية وفقاً للأهداف المرسومة.
لقد وثق الملك عبد العزيز يرحمه الله أن المملكة ليست دولة طارئة على التاريخ ولا متطفلة على المستقبل، وتتجلى هذه الحقيقة اليوم؛ حيث يتعاظم دور المملكة في العالم سياسياً واقتصادياً، مع دورها الرائد في العمل الإسلامي كمنبع الإسلام وموطن الحرمين الشريفين، وما يحتم عليها موقعها الجغرافي الهام وتاريخها الحضاري كمحور لتقاطع حضارات عريقة وإحداث تاريخية مهمة.
فالمملكة تعيش حاليا مرحلة استثنائية، وتمر بنقلات كبيرة على المستويين الدولي والمحلي، تقودها قيادة محنكة استجابت لنداء تاريخي لان تسهم بلادها من موقعها الريادي في صنع مستقبل الإنسانية، ولذلك، فان تطوير أداء أجهزة الدولة في هذا الوقت أمر في غاية الأهمية. فمن المهم أن تستمر الدولة في تحديث مؤسساتها وأنظمتها وإجراءاتها الإدارية حتى تتمكن من الارتقاء بالاقتصاد وتلبية حاجات مواطنيها وزوارها، والرقي بالخدمات العامة إلى مستوى الدول المتقدمة، والتمكن من الاستجابة لمسؤولياتها المتعاظمة محلياً ودوليا، فالمستقبل يتطلب مؤسسات قادرة على التعامل مع التحديات والاستفادة من الفرص والتفاعل إيجابياً مع المتغيرات المتسارعة.
هذه المتغيرات وتزايد المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للأسرة والمواطن، والازدياد المطرد في عدد المتعلمين وانتشار تقنية الاتصال، والاندماج الحتمي في مسارات العولمة، وارتفاع المستوى الثقافي للمجتمع ، كلها مؤشرات تُحَتم العمل بشكل جاد لتطوير آليات صناعة القرار العام وتطوير النظم والأجهزة الإدارية القادرة على تحويل الإرادة السياسية وخطط الدولة إلى واقع ملموس واقتصاد يتجاوب مع متطلبات العصر من مشاريع وخدمات ينعم بها المواطنون.
وليس هذا هو التحدي الوحيد الذي يواجهنا، فالحد من المركزية أمر آخر في غاية الأهمية. فكما نعلم، أن المملكـة تبنت، مع بدايـة السبعينيات الميلادية من القرن المنصرم، خططا تنموية جبارة وطموحـة كان لها الأثر الايجابي في التطـوير الاقتصادي وتحقيق تنمية ملموسة في مناطق المملكة. وإن كانت المركزية آنذاك ضرورية لتنفيذ تلك الخطط إلا أنها، بمرور الزمن وتزايد أعباء الدولة تجاه الموطنين مع تزايد أعدادهم وحاجاتهم، أصبحت معطلا للتنمية المؤملة.
ولذلك، يتوجب التركيز في هذا الوقت على تطوير مؤسسات المناطق للقيام بمهام اكبر في عملية التنمية المحلية، خاصة في ظل المرحلة المؤاتية التي تمر بها المملكة، والتي من أهم عناصرها التالي:
أولاً- الإرادة السياسية:
فهناك توجه جاد من قبل قيادة الدولة لدفع الإصلاح الإداري لمستويات أعلى، وتطبيق آليات جديدة في العمل الحكومي وإعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، ونستشف ذلك من التوجيهات السديدة من قبل خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين حفظهما الله للمسئولين في أكثر من مناسبة بتطوير أجهزتهم والاستفادة من تقنية المعلومات والأنظمة الإدارية الحديثة، والعمل على رفع كفاءة قطاعاتهم وإنجاز المهام المناطة بهم بشكل لا مركزي. كما تقوم اللجنة الوزارية للتنظيم الإداري بدور مشهود في إعادة هيكلة أجهزة الدولة.
ثانياً- قوة الاقتصاد الوطني:
المملكة تتمتع باقتصاد قوي ومتنامي، وتعيش وضع اقتصادي متميز، إضافةً إلى ما تقوم به الدولة في مجال إعادة هيكلة الاقتصاد والتوجه نحو آفاق اقتصادية جديدة، واقتصاد المعرفة وتطوير قطاعات اقتصادية أخـرى مثل السـياحة والخدمات وقطاعات الخدمات المالية، مما يبرز أهمية مواكبة الجهاز الحكومي لهذا الاقتصاد الناهض والاستفادة من النمو الكبير المتوقع.
أيها الحضور الكرام:
أود أن انتقل الآن إلى المحور الثاني من هذه الورقة وهو ما يتعلق بتجربة الهيئة العامة للسياحة والآثار:
فاختياري لتجربة الهيئة نابع من أن معهد الإدارة العامة كان ولا يزال شريكاً فاعلاً في بنائها المؤسسي ومتابعاً لتطورها، وكوني أيضاً مسئول عن تأسيس جهزها الإداري وخوضي تجربة إنشاؤها من لا شيء ومتابعتي جميع مراحل نموها، وبالتالي معرفتي لمعظم تفاصيلها، كما أن الهيئة قد كلفت بالإشراف على قطاع اقتصادي كبير متعدد الأهداف، ولذا تتداخل مجالات عمل الهيئة مع عدد كبير من الأطراف الرسمية والاجتماعية وتتعامل مع جميع مناطق المملكة ومؤسساتها المحلية، ولذلك تصلح لان تكون مثالاً لبناء مؤسسة عامة عملت على محاكاة متطلبات العصر، وتطبيق منظومة من المعايير المهنية العالية.
لقد عرفنا من البداية أنه لا يكفي أن تدار المنظمة بكفاءة وفعالية، ولكن يلزمها أن تسعى أن تعمل في إطار منظومة من القيم والاعتبارات الإدارية التي تحاكي العصر، لذا قامت الهيئة بدورها القيادي لتنظيم صناعة اقتصادية هامة في إطار مؤسسي من التعاون والتكامل مع الأجهزة الحكومية، والمؤسسات الخاصة، والقطاعات الأهلية، وجميع الأطراف المؤثرة والمتأثرة بقراراتها. فالهيئة العامة للسياحة والآثار مؤسسة حديثة أنشئت منذ ما يزيد عن تسع سنوات، تحت مسمى الهيئة العليا للسياحة.
ولقد حددت الدولة مهمة الهيئة العامة للسياحة والآثار بالاهتمام بالسياحة في المملكة، وتنظيمها وتنميتها وترويجها، والعمل على تعزيز دور قطاع السياحة، وتذليل عوائق نموه، باعتباره رافداً مهماً من روافد الاقتصاد الوطني، وذلك بما يتوافق مع مكانة المملكة وقيمها. بالإضافة إلى مهمة الاهتمام بالآثار والمحافظة عليها وتفعيل مساهمتها في التنمية الثقافية والاقتصادية، والعناية بالمتاحف والرقي بالعمل الأثري في المملكة.
لقد شملت أعمال الهيئة عدداً من المهام المترابطة ومنها البناء المؤسسي: الذي شمل إنشاء الأمانة العامة للهيئة (سابقاً).
فمنذ اليوم الأول من تأسيس الهيئة وضعنا (22) سمة مؤسسية أردناها مجتمعة أن تكون بمثابة غاية نسعى جميعاً من خلالها إلى بناء الفكر القيادي والنمط الإداري للهيئة، فمثلت تلك السمات بالنسبة لنا نقطة الانطلاق في بناء شخصية وكوادر الهيئة. (مرفق)
إن بناء الكيان المعنوي للهيئة وهويتها تطلب أيضاً تطوير وبناء الكادر المنتج والمنضبط، والتركيز على المصلحة العليا قبل كل شيء؛ فالذين يعملون في الهيئة هم مواطنون أولاً، ويرون أنفسهم مسؤولون وليس موظفون, ويؤدون مهامهم وهم مؤمنون بجملة من المبادئ أهمها:
1- احترام الآخر والتعامل المهني والشخصي الراقي داخل الهيئة وخارجها.
2- التكامل مع المؤسسات الأخرى.
3- الشراكة والتأكيد على العمل الجماعي التكاملي، ومحاربة الاستحواذ الفردي على الإنجازات.
4- الشفافية العالية في جميع التعاملات
5- النزاهة المهنية والمالية.
6- اللامركزية.
7- الجرأة على الإبداع والمبادرة.
8- التركيز على النتائج والانجاز.
لقد حرصنا أن يشعر المسؤول (وهو المسمى الذي نطلقه على جميع منسوبي الهيئة) بأنه ينتمي إلى أسـرة تعتز به، وتؤكد إشـراكه في القـرارات المؤسسية، وتساعده ليتقدم في مساره الوظيفي، وتمكينه بكل الوسائل الإدارية لتحفيزه وتطوير أدائه. ومن تلك الممكنات:
· التدريب والتطوير المكثف وربط ذلك بتقييم الأداء ونظام الترقيات والمكافآت.
· تطبيق سياسة الباب المفتوح وضمان وصول كافة منسوبي الهيئة إلى أعلى مسؤول لعرض ما يعيق إنجاز أدائه.
· التطبيق الكامل للأنظمة الإدارية الإلكترونية: حيث إن الهيئة من أوائل المؤسسات الحكومية التي تعمل وفق نظام الكتروني متكامل للتخطيط والإدارة واسترجاع المعلومات والتواصل المرئي وتبادل المعلومات وتقديم الخدمات الالكترونية. وكانت الهيئة منذ سنوات قد انتهت من إنجاز تطبيقات الإدارة الإلكترونية، مثل المتابعة الإدارية (Work Flow)، وإدارة المـوارد الحكومية (GRP)، ونظام إدارة المشاريع (GPM)، والـ ( DashBoard) وأنظمة التأشيرات الإلكترونية، والمعلومات الجغرافية، وأنظمة خدمات المواطنين، وتبادل المعلومات الأمنية.
كما عملت الهيئة في جانب بناء المنظومة والتعامل مع الأجهزة والمؤسسات الأخرى التي يرتبط عملها بعمل الهيئة، ولقد تبنت الهيئة لذلك المبادرات التالية:
· تطوير شامل للقطاعات المرتبطة بالسياحة، وتهذيب للأنظمة المرتبطة بهذا القطاع الاقتصادي الكبير.ضمن إستراتيجية وطنية شاملة أقرتها الدولة بتاريخ 24/1/1425هـ، وخطة عمل مركزة اقرها مجلس إدارة الهيئة لتطوير السياحة الوطنية وتحفيز نموها كقطاع اقتصادي منتج، والتي يتم تحديثها حالياً.
· تطوير منظومة من المبادرات والبرامج (وصل عددها ما يقارب 136 مبادرة وبرنامج) تصب في (16) مجالاً شملت تطوير المشاريع والخدمات، والبنية التحتية، والتنمية البشرية، وجذب الاستثمارات، والمحافظة على التراث العمراني وتنميته، والآثار وتطوير المتاحف والحرف اليدوية، والتسويق والإعلام، وغيرها من المهام الأخرى. (انظر تقرير مبادرات الهيئة لعام 2009م).
· تهيئة المجتمعات المحلية، والرأي العام عبر منظومة من البرامج لقبول هذا القطاع الجديد، والتفاعل مع نموه إيجاباً والاستفادة من الفرص المتاحة في ذلك النمو. ومن مبادرات الهيئة في هذا الجانب التوعية بأهمية السياحة الوطنية من خلال البرامج التعريفية مثل برامج السياحة تثري مع المناطق وبرامج ابتسم مع وزارة التربية والتعليم.
· تطوير قدرات المناطق وما يتبعها من محافظات ومجمعات إدارية ومجتمعات محلية للانطلاق في تطوير السياحة والمحافظة على إرثها التاريخي والحضاري لا مركزياً.
· تأسيس منظومة متطورة من الشراكة مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية من خلال اتفاقات ومذكرات التعاون، وتنفيذها ومتابعة أدائها بشكل مركز.
· التعاون الوثيق والشفاف مع القطاع الخاص في تطوير أنظمة برامج السعودة، والتدريب والتحفيز المالي والأنظمة.
· تمكين المؤسسات الحكومية المتداخلة في مهامها واختصاصاتها مع التنمية السياحية من إدارة مهامها بكفاءة أعلى، وتطوير قدرات منسوبيها وتدريبهم، وتعزيز أدوات التنسيق والتكامل وتوثيق الشراكة معها من خلال عدد من اتفاقات ومذكرات التعاون والتكامل.
لقد أدركنا منذ اليوم الأول، حيث بدأت الهيئة مهمتها بدون صلاحيات تنفيذية تذكر، أن الشراكة والتكامل هما السبيل لإنجاز المهام المناطة بنا، ولقد كان علينا أن نكسب ثقة الشركاء من خلال تطبيق أسلوب إداري يتفاعل ويستجيب بكفاءة تفوق النمط المعتاد في القطاع العام. ولقد نجحنا نسبياً مع شركاؤنا من مؤسسات الدولة في إيجاد بيئة تعاونية منتجة ومربحة للجميع، وتطلب ذلك تقديم نموذج غير معتاد في العمل الحكومي، فبادرت الهيئة - وبمباركة سديدة من سمو ولي العهد الأمين (رئيس مجلس إدارتها آنذاك) وبقرار من مجلس إدارة الهيئة ومتابعة من معهد الإدارة العامة، بتوقيع عدد من مذكرات واتفاقيات التعاون مع الأجهزة الحكومية بلغ عددها حتى اليوم (45) مذكرة واتفاقية، يتم متابعة أدائها بشكل دقيق.
واليوم، وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات على تطبيق الهيئة نهج الشراكة، نسعد بأن نرى أن العديد من الجهات الحكومية قد احتذت حذوا هذه التجربة الرائدة، إيمانا منها بأهمية التكامل وتوثيق إطار التعاون لما يخدم المصلحة الوطنية العليا؛ إذ بلغ عدد ما وقع من اتفاقيات للتعاون بين مؤسسات الدولة بخلاف ما وقعته الهيئة ما يقارب (63) اتفاقية حتى اليوم.
وإلى جانب الشراكة والتعاون مع مؤسسات الدولة وأجهزتها عملنا في الهيئة على تطبيق نهج اللامركزية بتحويل متدرج للمسؤوليات للمجالس والأجهزة السياحية التي تم تأسيسها في المناطق، مع استمرارنا في تقديم الدعم والمساندة لها، وسنستمر في ذلك خلال الخطة، فالمناطق هي الأقدر والأقرب على رعاية المصالح المحلية. ولقد تطلب هذا النهج تأصيل ثقافة ووعي جديدين، والتخلي عن ثقافة سائدة يسعى فيها كل طرف لتحقيق مصالحه الضيقة في تنافس على الصلاحيات والموارد، وأحيانا على حساب المصالح العليا للوطن.
الحضور الكرام....
إن ربط التطوير الإداري بأهداف وطنية تنموية أعلى هو محور كلمتي اليوم - فالتطوير الإداري لمجرد التطوير الإداري هو ترف لا مجال له في هذا العصر – ومشاركتي معكم في هذا المؤتمر المهم تؤكد إيماني العميق في أن التطوير الإداري الناجح يتطلب التعاون بين الممارسين والأكاديميين لتكون النماذج والنظريات الإدارية منسجمة مع الواقع وقابلة للتطبيق في ذات الوقت، وأن تكون منسجمة مع خدمة الأهداف العليا.
لقد ساعدنا ربط التطوير الإداري بالقيم والتوجهات الوطنية الأساسية على إدارة مسارات متعددة ومتوازية في قطاع اقتصادي كبير ومتشعب، تطلب التعامل مع تأسيسه إدارة منـظمة لا تتوانى عن المبادرة وتحدي الواقع. وعندما نتحدث عن المبادرات الابداعية في الإدارة الحكومية ، يتوجب علينا أن نستشهد بما تقوم به قيادة البلاد من مبادرات هامة وشجاعة لتطوير الدولة ونشاطاتها كافة.
وفي ضوء ما تقدم يتبادر إلى الذهن سؤال مهم هو:
هل يتناسب أداء وكفاءة أجهزة الدولة مع طموحات القيادة وحجم المملكة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري المتنامي بين دول العالم والفرص الهائلة التي أمامها؟
وهل تلبي الأجهزة الحكومية في المملكة طموحات القيادة والمواطن في هذا العصر الجديد؟.
 
لقد ذكرت خلال حديث قبل أسابيع ما اعتقدت أنه يمثل الوضع الراهن: "أن طموحات المملكة ومشاريعها أصبحت تفوق مستوى الأجهزة الحكومية، وما يتطلب من الأجهزة الحكومية هو إعادة تنظيم أمورها والدخول في السباق مع هذه المشاريع والطموحات".
إن أمام المملكة فرصا تاريخية كبيرة في مسيرة التنمية الشاملة، ولكي يتم الاستفادة من هذه الفرص بشكل جدي، فإنه يتوجب الإسراع في تطوير أجهـزة الدولـة وإجراءاتها الإدارية، واتخاذ قرارات حاسمة للقضاء على المركزية وتطوير قدرات المناطق على إدارة الشأن المحلي.
 
وفي ذلك أرى أهمية التالي:
  • مواكبة التطوير الإداري الحكومي لما يحدث في المملكة من تطور تعليمي وثقافي واجتماعي، وتنامي أعداد السكان من الشباب؛ فهناك على سبيل المثال مئات الآلاف من خريجي التعليم العالي ومن المبتعثين الذين سيعودون لبلادهم ليساهموا في تطورها، من الذين لهم تطلعات ومتطلبات أساسية في مجال الخدمات والحياة العامة تتوافق مع ما اعتادوا عليه في مراحل إقامتهم خارج بلادهم.
  • ربط التنمية الإدارية بالواقع المتغير للمملكة كما ذكرت في بداية الورقة، ودورها المتنامي في المنطقة والعالم. فالإجراءات التي تتبناها بعض الأجهزة الحكومية وأساليب تطبيقها أصبحت لا تتوافق مع رؤية وطموحات الدولة نحو التطوير في العصر الحالي، وبالتالي فهي بحاجة إلى مراجعة وإعادة هيكلة تتماشى مع الإدارة العصرية ومتطلبات الحاضر والمستقبل.
  • تطوير ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية وربطها بالتوجهات الإستراتيجية للدولة، وتسريع آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بنشاطاتها، وتمكينها مادياً وتنظيمياً.
  • تطوير أداء الأجهزة المرتبطة بالمواطنين بشكل شامل وجذري وجعلها أكثر قرباً من المواطنين، وأكثر حساسية لحاجاتهم.
  • ربط الأجهزة الحكومية بمنظومة من القيم الإدارية وتطوير إجراءات التعامل بينها وبين بعضها عن طريق تأسيس الشراكات المنتجة، وتطوير وسائل التكامل بين مهامها.
  • التركيز على ثقافة العمل التكاملي بين مسؤولي ومنسوبي الأجهزة الحكومية، وربط الجميع ثقافياً ومهنياً بالمشروع التنموي الوطني المتكامل.
  • تطوير منظومة الإدارة المحلية بشكل تدريجي ومن ذلك الحد من المركزية، وتمكين المناطق من إدارة نشاطاتها، وترسيخ مبادئ الإدارة المحلية وتطويرها، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة الفاعلة في ذلك.
وأؤكد هنا مرة أخرى، إن المناطق والمؤسسات التي بنيت حولها (مثل مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية) قد أصبحت أكثر نضجاً، ومن المهم تعزيز ذلك النضج من خلال برنامج زمني محدد وعلى مدى خمس سنوات لا أكثر، بحيث يتزامن تطوير آليات الإدارة المحلية مع مشروع متكامل لتطوير أداء أجهزة المناطق وتحويلها من جهات تنفيذية فقط، إلى مؤسسات قادرة، لأن تخطط وتنفذ وتتابع، وتطوير استيعاب وقدرات المجتمعات المحلية للمشاركة والتفاعل مع هذه المؤسسات ودعم انجازاتها.
إنه من المهم تطوير القدرات الإدارية لمدراء ومسؤولي الأجهزة الحكومية في المناطق والمحافظات وتوسيع مداركهم بتمكينهم من الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة في مجالات التنمية المحلية وتطوير الخدمات العامة. لقد قامت الهيئة بعدد من المبادرات في إطار برنامج لتمكين رؤساء البلديات والمحافظين من استيعاب التجارب العالمية الرائدة في إدارة المواقع السياحية وتنمية مواقع التراث العمراني وتقديم الخدمات، ونؤكد نجاح هذه المبادرة الرائدة بكل المقاييس.
كما أنه من الضروري تطوير ثقافة المواطن فيما يتعلق بارتباطه بالأجهزة الحكومية والتفاعل مع برامجها وخدماتها وجعله شريكاً فاعلاً في عملية التنمية المحلية. وتطوير وعي المواطن بأهمية المـشاركة في صنع القرار، وتوفير الوسائل لإتاحة مشاركة المـواطن محلياً في إدارة مصـالحه وتطوير منطقته.
 
 
أيها الحضور الكرام،
اختم بالتأكيد على أن تطوير الأداء المؤسسي في القطاع العام وبناء القدرات الإدارية المحلية لم يعد ترفاً إدارياً، وإنما متطلباً أساساً للحفاظ على مقدراتنا ومكتسباتنا الوطنية والانتقال إلى مراحل أعلى من النضج الحضاري، والتقدم الاقتصادي، والرقي الاجتماعي، وأن السبيل لتحقيق ذلك هو في التطوير الشامل لمفهوم وإجراءات العمل الحكومي، وعلاقات المؤسسات الحكومية فيما بين بعضها البعض، وتمكينها من الاستجابة لمتطلبات العصر والتلاقي في الأداء مع متطلبات القطاع الخاص والمواطن، والتوجه نحو اللامركزية من خلال تطوير الإدارة المحلية، وتمكين المناطق من إدارة شؤونها ضمن التوجهات والخطط الوطنية بكفاءة أعلى "فالحاضر يرى ما لا يرى الغائب".
شكراً لكم حسن إصغائكم، متمنياً لمؤتمركم النجاح ولنا جميعا التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كما واشكر معالي وزير الخدمة المدنية رئيس مجلس إدارة معهد الإدارة العامة ومعالي مدير المعهد الدكتور عبد الرحمن الشقاوي وكافة زملائه من منسوبي المعهد ومن سبقهم على ما يبذلونه في بناء هذه المؤسسة العريقة، واقدر كل التقدير ما لقيته من دعم من هذا المعهد خلال فترة تأسيس الهيئة العامة للسياحة والآثار وحتى اليوم، فالمعهد للحق، شريك مؤسس للهيئة منذ بداياتها، وقد أسهم في هيكلتها، وفي تطوير مبادراتها، وتقديم الكوادر لها وتدريبهم، وتوفير برامج التدريب المختلفة في مجالات السعودة. كما أشكرهم على جهودهم في تنظيم هذا المؤتمر الدولي ودعوتي للتحدث إليكم.

.+