سمو الرئيس:تطوير الأداء المؤسسي الحكومي لم يعد ترفاً إدارياً وإنما متطلباً أساسيا للتقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي

  • Play Text to Speech


 

أكد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والآثار أن طموحات المملكة ومشاريعها أصبحت تفوق مستوى الأجهزة الحكومية، وما يتطلب من الأجهزة الحكومية هو إعادة تنظيم أمورها والدخول في السباق مع هذه المشاريع والطموحات". مشيرا إلى إن أمام المملكة فرصا تاريخية كبيرة في مسيرة التنمية الشاملة، ولكي يتم الاستفادة من هذه الفرص بشكل جدي، فإنه يتوجب الإسراع في تطوير أجهـزة الدولـة وإجراءاتها الإدارية، واتخاذ قرارات حاسمة للقضاء على المركزية وتطوير قدرات المناطق على إدارة الشأن المحلي.

وقال سموه في كلمته الأربعاء 04-11-2009م في الجلسة الرئيسية (التنمية الإدارية - بناء القدرات المحلية) للمؤتمر الدولي للتنمية الإدارية الذي نظمه معهد الإدارة العامة بالرياض  إن المملكة تعيش حاليا مرحلة استثنائية وتمر بنقلات كبيرة على المستويين الدولي والمحلي، تقودها قيادة محنكة استجابت لنداء تاريخي لان تسهم بلادها من موقعها الريادي في صنع مستقبل الإنسانية، ولذلك، فان تطوير أداء أجهزة الدولة في هذا الوقت أمر في غاية الأهمية. فمن المهم أن تستمر الدولة في تحديث مؤسساتها وأنظمتها وإجراءاتها الإدارية حتى تتمكن من الارتقاء بالاقتصاد وتلبية حاجات مواطنيها وزوارها، والرقي بالخدمات العامة إلى مستوى الدول المتقدمة، والتمكن من الاستجابة لمسؤولياتها المتعاظمة محلياً ودوليا، فالمستقبل يتطلب مؤسسات قادرة على التعامل مع التحديات والاستفادة من الفرص والتفاعل إيجابياً مع المتغيرات المتسارعة.

ونوه إلى أن تطوير الأداء المؤسسي في القطاع العام وبناء القدرات الإدارية المحلية لم يعد ترفاً إدارياً، وإنما متطلباً أساساً للحفاظ على مقدراتنا ومكتسباتنا الوطنية والانتقال إلى مراحل أعلى من النضج الحضاري، والتقدم الاقتصادي، والرقي الاجتماعي، وأن السبيل لتحقيق ذلك هو في التطوير الشامل لمفهوم وإجراءات العمل الحكومي، وعلاقات المؤسسات الحكومية فيما بين بعضها البعض، وتمكينها من الاستجابة لمتطلبات العصر والتلاقي في الأداء مع متطلبات القطاع الخاص والمواطن، والتوجه نحو اللامركزية من خلال تطوير الإدارة المحلية، وتمكين المناطق من إدارة شؤونها ضمن التوجهات والخطط الوطنية بكفاءة أعلى "فالحاضر يرى ما لا يرى الغائب".

 وأكد سموه على ضرورة مواكبة التطوير الإداري الحكومي لما يحدث في المملكة من تطور تعليمي وثقافي واجتماعي، وتنامي أعداد السكان من الشباب؛. وربط التنمية الإدارية بالواقع المتغير للمملكة ودورها المتنامي في المنطقة والعالم. فالإجراءات التي تتبناها بعض الأجهزة الحكومية وأساليب تطبيقها أصبحت لا تتوافق مع رؤية وطموحات الدولة نحو التطوير في العصر الحالي، وبالتالي فهي بحاجة إلى مراجعة وإعادة هيكلة تتماشى مع الإدارة العصرية ومتطلبات الحاضر والمستقبل.

مشيرا الى اهمية تطوير ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية وربطها بالتوجهات الإستراتيجية للدولة، وتسريع آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بنشاطاتها، وتمكينها مادياً وتنظيمياً. وتطوير أداء الأجهزة المرتبطة بالمواطنين بشكل شامل وجذري وجعلها أكثر قرباً من المواطنين، وأكثر حساسية لحاجاتهم. وربط الأجهزة الحكومية بمنظومة من القيم الإدارية وتطوير إجراءات التعامل بينها وبين البعض عن طريق تأسيس الشراكات المنتجة، وتطوير وسائل التكامل بين مهامها.والتركيز على ثقافة العمل التكاملي بين مسؤولي ومنسوبي الأجهزة الحكومية، وربط الجميع ثقافياً ومهنياً بالمشروع التنموي الوطني المتكامل. وتطوير منظومة الإدارة المحلية بشكل تدريجي ومن ذلك الحد من المركزية، وتمكين المناطق من إدارة نشاطاتها، وترسيخ مبادئ الإدارة المحلية وتطويرها، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة الفاعلة في ذلك.

وأكد سموه على أن المناطق والمؤسسات التي بنيت حولها (مثل مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية) قد أصبحت أكثر نضجاً، ومن المهم تعزيز ذلك النضج من خلال برنامج زمني محدد وعلى مدى خمس سنوات لا أكثر، بحيث يتزامن تطوير آليات الإدارة المحلية مع مشروع متكامل لتطوير أداء أجهزة المناطق وتحويلها من جهات تنفيذية فقط، إلى مؤسسات قادرة، تخطط وتنفذ وتتابع، وتطوير استيعاب وقدرات المجتمعات المحلية للمشاركة والتفاعل مع هذه المؤسسات ودعم انجازاتها.

وشدد سموه على أهمية تطوير القدرات الإدارية لمدراء ومسؤولي الأجهزة الحكومية في المناطق والمحافظات وتوسيع مداركهم بتمكينهم من الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة في مجالات التنمية المحلية والخدمات العامة. وتطوير ثقافة المواطن فيما يتعلق بارتباطه بالأجهزة الحكومية والتفاعل مع برامجها وخدماتها وجعله شريكاً فاعلاً في عملية التنمية المحلية.

ولفت إلى أن انعقاد هذا المؤتمر يتزامن مع ما يحدث في بلادنا من نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة ما يتطلب تطوير أداء الأجهزة الحكومية وعلاقتها مع بعضها البعض، ومع القطاع الخاص، ومع المجتمعات المحلية – وأهمية التوجه نحو اللامركزية – وتطوير الإدارة المحلية في المناطق وتمكين الأجهزة والمجتمعات المحلية من المشاركة في صنع القرار التنموي ومتابعة إنجازه.

وأكد سموه أنه يتوجب التركيز في هذا الوقت على تطوير مؤسسات المناطق للقيام بمهام اكبر في عملية التنمية المحلية، خاصة في ظل المرحلة المؤاتية التي تمر بها المملكة، والتي من أهم عناصرها الإرادة السياسية في ظل التوجه الجاد من قبل قيادة الدولة لدفع الإصلاح الإداري لمستويات أعلى، وتطبيق آليات جديدة في العمل الحكومي وإعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، وقوة الاقتصاد الوطني وما تتمتع به من اقتصاد قوي ومتنامي، ووضع اقتصادي متميز،كما أن تسارع التطور على مستوى العالم في مجال الاتصالات والتواصل البشري، والتفاعل السريع بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، يتطلب تطوير تجاوب الإدارة والإجراءات الحكومية لمتطلبات العصر ومواكبة الطلب المتزايد على الخدمات.
وأشار سمو الأمير سلطان إلى هذا المؤتمر الدولي ينعقد متزامنا مع مرور تسع وسبعون عاماً على تأسيس المملكة العربية السعودية كدولة حديثة، وقد أسس الملك عبد العزيز (يرحمه الله) لمشروع تنموي شامل للمملكة يستند إلى تطبيق أفضل الممارسات الإدارية، في وقت لم يتوفر في البلاد الحد الأدنى من الكوادر الإدارية المدربة. كما حرص يرحمه الله على الحد من المركزية، وعَمل على أن يكون النظام الإداري منسجما مع الثقافة المحلية واحترام خصوصية المناطق،. كما سعى إلى تمكين المجتمعات المحلية من متابعة مصالحها ذاتياً، وكان يمارس يرحمه الله نهجاً إدارياً أصيلاً في منح الثقة والصلاحية وحرية التصرف لممثليه في المناطق في إطار توجيهاته وسياساته العامة، ومن ثم المحاسبة على النتائج متمثلاً بمقولة معروفة له "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب".

وأكد  سمو الأمير سلطان أن المتغيرات المحلية والدولية وتزايد المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للأسرة والمواطن، والازدياد المطرد في عدد المتعلمين وانتشار تقنية الاتصال، والاندماج الحتمي في مسارات العولمة، وارتفاع المستوى الثقافي للمجتمع ، كلها مؤشرات تُحَتم العمل بشكل جاد لتطوير آليات صناعة القرار العام وتطوير النظم والأجهزة الإدارية القادرة على تحويل الإرادة السياسية وخطط الدولة إلى واقع ملموس واقتصاد يتجاوب مع متطلبات العصر من مشاريع وخدمات ينعم بها المواطنون. "وليس هذا هو التحدي الوحيد الذي يواجهنا، فالحد من المركزية أمر آخر في غاية الأهمية. فكما نعلم، أن المملكـة تبنت، مع بدايـة السبعينيات الميلادية من القرن المنصرم، خططا تنموية جبارة وطموحـة كان لها الأثر الايجابي في التطـوير الاقتصادي وتحقيق تنمية ملموسة في مناطق المملكة. وإن كانت المركزية آنذاك ضرورية لتنفيذ تلك الخطط إلا أنها، بمرور الزمن وتزايد أعباء الدولة تجاه الموطنين مع تزايد أعدادهم وحاجاتهم، أصبحت معطلا للتنمية المؤملة.

وتطرق سمو الأمير سلطان إلى تجربة الهيئة العامة للسياحة والآثار . منوها بما تميزت به في مجال الشراكة والتكامل مع القطاعين العام والخاص ، وتطبيق نهج اللامركزية بتحويل متدرج للمسؤوليات للمجالس والأجهزة السياحية التي تم تأسيسها في المناطق.

وأبان أن الهيئة كلفت بالإشراف على قطاع اقتصادي كبير متعدد الأهداف، ولذا تتداخل مجالات عمل الهيئة مع عدد كبير من الأطراف الرسمية والاجتماعية وتتعامل مع جميع مناطق المملكة ومؤسساتها المحلية، ولذلك تصلح لان تكون مثالاً لبناء مؤسسة عامة عملت على محاكاة متطلبات العصر، وتطبيق منظومة من المعايير المهنية العالية.

وقال: "لقد عرفنا من البداية أنه لا يكفي أن تدار المنظمة بكفاءة وفعالية، ولكن يلزمها أن تسعى أن تعمل في إطار منظومة من القيم والاعتبارات الإدارية التي تحاكي العصر، لذا قامت الهيئة بدورها القيادي لتنظيم صناعة اقتصادية هامة في إطار مؤسسي من التعاون والتكامل مع الأجهزة الحكومية، والمؤسسات الخاصة، والقطاعات الأهلية، وجميع الأطراف المؤثرة والمتأثرة بقراراتها.

وأوضح سمو الأمير سلطان أن بناء الكيان المعنوي للهيئة وهويتها تطلب تطوير وبناء الكادر المنتج والمنضبط، ، وتمكينه بكل الوسائل الإدارية لتحفيزه وتطوير أدائه. كما عملت الهيئة في جانب بناء المنظومة والتعامل مع الأجهزة والمؤسسات الأخرى التي يرتبط عملها بعمل الهيئة، وتبنت الهيئة لذلك عددا من المبادرات منها التطوير الشامل للقطاعات المرتبطة بالسياحة، وتهذيب للأنظمة المرتبطة بهذا القطاع الاقتصادي الكبير.ضمن إستراتيجية وطنية شاملة أقرتها الدولة بتاريخ 24/1/1425هـ، وخطة عمل مركزة اقرها مجلس إدارة الهيئة لتطوير السياحة الوطنية وتحفيز نموها كقطاع اقتصادي منتج والتي يتم تحديثها حاليا. وتطوير منظومة من المبادرات والبرامج (وصل عددها ما يقارب 136 مبادرة وبرنامج) تصب في (16) مجالاً شملت تطوير المشاريع والخدمات، والبنية التحتية، والتنمية البشرية، وجذب الاستثمارات، والمحافظة على التراث العمراني وتنميته، والآثار وتطوير المتاحف والحرف اليدوية، والتسويق والإعلام، وغيرها من المهام الأخرى. وتهيئة المجتمعات المحلية، وتطوير قدرات المناطق وما يتبعها من محافظات ومجمعات إدارية ومجتمعات محلية للانطلاق في تطوير السياحة والمحافظة على إرثها التاريخي والحضاري لا مركزياً. وتأسيس منظومة متطورة من الشراكة مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية من خلال اتفاقات ومذكرات التعاون، وتنفيذها ومتابعة أدائها بشكل مركز.والتعاون الوثيق والشفاف مع القطاع الخاص في تطوير أنظمة برامج السعودة، والتدريب والتحفيز المالي والأنظمة.وتمكين المؤسسات الحكومية المتداخلة في مهامها واختصاصاتها مع التنمية السياحية من إدارة مهامها بكفاءة أعلى، وتطوير قدرات منسوبيها وتدريبهم، وتعزيز أدوات التنسيق والتكامل وتوثيق الشراكة معها من خلال عدد من اتفاقات ومذكرات التعاون والتكامل.

وأكد سمو الأمير سلطان  أن الهيئة أدركت منذ اليوم الأول، أن الشراكة والتكامل هما السبيل لإنجاز المهام المناطة بها، "ولقد كان علينا أن نكسب ثقة الشركاء من خلال تطبيق أسلوب إداري يتفاعل ويستجيب بكفاءة تفوق النمط المعتاد في القطاع العام. ولقد نجحنا نسبيا مع شركاؤنا من مؤسسات الدولة في إيجاد بيئة تعاونية منتجة ومربحة للجميع، وتطلب ذلك تقديم نموذج غير معتاد في العمل الحكومي، فبادرت الهيئة - وبمباركة سديدة من سمو ولي العهد الأمين (رئيس مجلس إدارتها آنذاك) وبقرار من مجلس إدارة الهيئة ومتابعة من معهد الإدارة العامة، بتوقيع عدد من مذكرات واتفاقيات التعاون مع الأجهزة الحكومية بلغ عددها حتى اليوم (45) مذكرة واتفاقية يتم متابعة أدائها بشكل دقيق, واليوم، وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات على تطبيق الهيئة نهج الشراكة، نسعد بأن نرى أن العديد من الجهات الحكومية قد احتذت حذوا هذه التجربة الرائدة، إيمانا منها بأهمية التكامل وتوثيق إطار التعاون لما يخدم المصلحة الوطنية العليا؛ إذ بلغ عدد ما وقع من اتفاقيات للتعاون بين مؤسسات الدولة بخلاف ما وقعته الهيئة ما يقارب (63) اتفاقية حتى اليوم.

وأضاف سمو الأمير سلطان: وإلى جانب الشراكة والتعاون مع مؤسسات الدولة وأجهزتها عملنا في الهيئة على تطبيق نهج اللامركزية بتحويل متدرج للمسؤوليات للمجالس والأجهزة السياحية التي تم تأسيسها في المناطق، مع استمرارنا في تقديم الدعم والمساندة لها، وستستمر في ذلك من خلال الخطة، فالمناطق هي الأقدر والأقرب على رعاية المصالح المحلية. ولقد تطلب هذا النهج تأصيل ثقافة ووعي جديدين، والتخلي عن ثقافة سائدة يسعى فيها كل طرف لتحقيق مصالحه الضيقة في تنافس محموم على الصلاحيات والموارد، وأحيانا على حساب المصالح العليا للوطن.

.+