الجلسة الثانية: الجهد الحكومي غير كاف للحفاظ على التراث

  • Play Text to Speech


اتفق المشاركون في حلقة النقاش الثانية على أهمية تضافر الجهدين الحكومي والشعبي في سبيل المحافظة على التراث المحسوس من الاندثار.
وأشار رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار الأمير سلطان بن سلمان في حديثه إلى أن السعودية بدأت أخيرا في العمل على صيانة التراث بعد إهماله فترة طويلة، وقال: "في السعودية كنا مشغولين في الماضي بأمور كثيرة، ولكننا تفرغنا الآن للحفاظ على التراث وهذه الحركة بدأت منذ سنوات مضت بعد عقود من الإهمال الذي تسببت فيه عدة عوامل"، مضيفا "هذا النوع من النضال تمثل في إقناع الناس بهذا التوجه، لقد استثمرنا في البداية في عقول المسيرين لعملية صيانة التراث وذهبنا في رحلات استكشافية إلى فرنسا وإيطاليا وتونس وبلدان كثيرة في أرجاء العالم للاستفادة من تجاربهم".
 وهو ما أشار إليه أمين عام منتدى أصيلا محمد بن عيسى الذي قال: "عمل الحكومات والسياسيين غير كاف للحفاظ على التراث، إذ لا بد أن يكون هناك نوع من التعاضد الشعبي مع هذا الأمر، وأعتقد أن النشاط الحكومي غير كاف في هذا الجانب".
ووافقت خبيرة التراث العمراني في الهند أميتا بيج الأمير سلطان في حديثه حيال تأخر بعض الدول في العمل على صيانة تراثها، وقالت: "استغرق العمل على تجهيز التراث في الهند ما يقارب 30 عاما بعد قرون من التأخر.. التراث الهندي يشرفنا ونسعد بالعمل فيه، وأعتقد أن التنوع في الهند يستدعي التمسك بثقافتنا كما أعتقد أن الشخصية الهندية متمسكة بذلك رغم كل التحديات".
وتعتقد عضو اللجنة الوطنية للآثار والمواقع التاريخية في الأرجنتين تيريشا انجورينا أن التحرك الحكومي الذي جاء مدفوعا بالنشاط السياسي أسهم في إنشاء 44 جمعية للحفاظ على التراث في الأرجنتين، وقال: "هناك مبالغ تدفعها حكومات الولايات للحفاظ على الآثار، وهذا جاء بعد تدخل السياسيين لحماية المناطق الأثرية"، مضيفة "أعتقد أن النشاط الشعبي لم يكن ليظهر فيما لو لم يجد دعما حكوميا قبله".
ويرى مدير مركز التراث العالمي في اليونيسكو فرانسيسكو بانديران أن الحكومات مطالبة بجهد أكبر في سبيل المحافظة على التراث، وقال: "يجب أن ندفع الحكومات للمحافظة على التراث.. ليس لدينا مشاكل في الاقتصاد كما كان قبل سنوات، نريد مساعدة معمارية، وكما يعلم الجميع فإن الاهتمام بالتراث يجب أن يكون على رأس قائمة أولويات الوزراء".
وعاد رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة  ليؤكد أن بلاده أنفقت الكثير على تطوير تراثها، وقال: "في السعودية أنفقنا أموالا كثيرة في أول سنة من رئاستي للهيئة ووجدت أن العديد من المسؤولين المحليين ليست لديهم الخبرة الكبيرة للاستفادة من عملهم، نحن بدأنا من الصفر وأخذنا في الاستفادة من الآخرين، والآن تضاعفت الميزانية، وتلقيت ما يزيد على 250 خطابا تتحدث عن أفراد يريدون أن يكونوا أبطالا في ترميم التراث، بعد أن كان ذلك متعذرا في الفترة السابقة".
وانتقد أمين عام منتدى أصيلا محمد بن عيسى حالات عدم الاهتمام بالتراث في بلدان العالم النامي، وقال: "هناك حقيقة يجب الاهتمام بها، وهي أن من يسعى لهدم التراث ينطلق من عدة دوافع أهمها التطرف والتعصب. فعلى سبيل المثال فإن الذي حدث في أفغانستان وتسبب في هدم تماثيل بوذا التاريخية أمر لا يقره عقل، كما أنه مرفوض في الإسلام، والطريقة التي يمكن بها التعبير عن الكراهية أو الرفض قد يكون بأكثر من صورة، كلها أكثر رقيا"، وهو ما وافقه الأمير سلطان بن سلمان عليه، إذ قال: "التعليم في السعودية تطور ومن مهمتنا في هيئة السياحة العمل على دعم ذلك.. إن تراث الماضي يمثل تحديا في النظر إلى أنفسنا وذلك يساهم في تكوين الشخصية الكاملة لأي بلد، ولذلك نرى ضرورة عقد مثل المؤتمرات.. أود أن أقول إنني أحببت ما قاله السيد محمد بن عيسى حول أن التطرف في إزالة تماثيل بوذا يعد نوعا من نسف التراث الإنساني".
ويشير بانديران إلى أهمية أن يكون العمل على صيانة المواقع التراثية، مدفوعا بشغف الحفاظ على الهوية الإنسانية من الزوال، ويقول: "أعتقد أنه من المهم أن نسأل أنفسنا عن أهمية المحافظة على التراث، فالمدينة التي أقطن فيها مليئة بالتاريخ وهي تمثل في جانبها الكثير من مراحله وذكرياته ولكنني أستطيع أن أقول أنها تمثل كذلك ثوابت لهذا التراث. إن المجتمع الذي يحافظ على التراث لديه القدرة على المحافظة على الحاضر والمستقبل".
وترى أميتا بيج أن ترميم المباني القديمة مهم ليس للحفاظ عليها فحسب، إنما لأهداف أبعد، مثل "استلهام بعض الدروس منها ودمجها مع التصاميم العصرية للبناء الجديد"، مضيفة "الاستفادة من الطاقة اليوم لا بد أن تكون مختلفة عن الاستفادة منها في مباني الفترة الماضية، ولأسباب أخرى غير هذا فإن الارتباط بالمباني التاريخية في الحاضر يجب أن يكون أكثر قوة. الحاضر الجديد جيد والماضي سيء، لقد أضرنا هذا الطرح، وهناك 44 جماعة تناضل من أجل الحفاظ على التراث، والقرار الذي يجب أن نتحدث فيه هو أن التراث مهم جدا والمحافظة عليه ليس سهلا وما نراه الآن على أرض الواقع هو نوع من الإزالة البطيئة للماضي"، وهو ما وافقها الأمير سلطان بن سلمان عليه، مشيرا إلى أن "المنزل المبني من الطين يمثل نموذجا هو المثل الأعلى للحفاظ على التراث وذلك لأن استهلاكه للطاقة جيد، وعمارة مثل هذه المنازل توفر الكثير من الطاقة التي تستنفدها المنازل الحديثة". مبينا أن "اتفاقا تم بين جامعة الملك سعود وأمانة منطقة مكة المكرمة لبناء منازل جديدة من الطين".
من جانبها، تصف عضو لجنة الآثار والمواقع في الأرجنتين عمل لجنتها صعبا، وتقول: "حينما أعود إلى بلدي وتراثها، فأنا أنتسب إلى بلد جديد تاريخه يمتد إلى 200 سنة من الحكومة الوطنية. الشعب في بلدي أتى من جميع أنحاء العالم ونحن في حاجة لنكون فخورين بهذا التراث وإذا أهملنا ذلك فإننا نهمل التاريخ. وتؤكد أنجورينا أن "ذاكرة الأسر تكوّن التاريخ. في عام 1980 منذ أن كانت الأرجنتين بلدا صغيرا إلى 2005 بدأنا العمل وهو ما كان كافيا لترميم التراث، فضلا عن أن الناس كانوا على صلة بذلك وكان عليهم أن يستمروا في دعم هذه العملية".
ويقول مركز التراث في اليونسكو أنه "من المهم أن نعرف إلى أي مدى تضع الحكومات حماية المناطق الأثرية في حسبانها، وبناء على ذلك نبدأ العمل في المحافظة على التراث"، فيما يعتقد أمين عام منتدى أصيلا أن "هذا التراث يمثل جردا للمعرفة الإنسانية في الماضي فضلا عن استشراف جميل للمستقبل، وهو ما يمثل نوعا من الجرد لمعرفة التجربة الإنسانية"، ويتابع "من الأمور المثيرة للسخرية كنيسة كبيرة في المغرب بني إلى جوارها معبد يهودي ومسجد وهو قبول للآخر، وهذا جزء من تاريخنا وجزء منا. لاحظ الكثيرون أن العديد من المنارات في المغرب تكاد أن تنهار وتقع لقدمها وعدم صيانتها وهناك 50 ألف من هذه المنارات التي تحتاج إلى ترميم وعمر بعضها يتعدى 11 قرنا، وهذا الأمر مكلف لا شك والحكومة على حجمها لا بد أن تدرس الموقف السياسي لهذه الأمور بعد ترتيب الأولويات".
وترى أميتا بيج أن بعض الأولويات تكاد تعصف بالتراث الإنساني إذ قالت: "قبل 15 عاما رفعت جماعة من جماعات المحافظة على التراث قضية على مصفاة تكرير أقيمت إلى جوار تاج محل، وهو ما كاد أن يدمره. أحيانا يفضل الكثيرون الاقتصاد على التراث، ولذلك لا بد أن ترتفع الأصوات مطالبة بالحفاظ على التراث المعماري".
وتداخلت وزيرة السياحة والآثار الأردنية مها الخطيب مؤكدة أن التراث يشكل هوية الإنسان، وقالت: "نقطتان تجعلان التراث مهما، فنحن نعيش في وقت نسيء فيه فهم بعضنا ونريد أن نصل إلى كثير من الحوار الثقافي. كما أود أن أقول أن المحافظة على التراث سبيل للجمع بين الثقافات وكثير من الناس أصبحوا لا يعرفون شيئا عن الماضي وإذا أصبحنا لا نعرف شيئا عن الماضي لا يمكن أن نفهم بعضنا".
وتجد وزيرة الثقافة والإعلام في فلسطين خلود دعيبس أنه من المهم الحفاظ على التراث "إذ أن كل فترة لها البناء التاريخي المعين ولكن لا بد أن يكون هناك محافظة متجددة، الأمر لا يتعلق بالمحافظة على المباني فقط ولكن عن النسيج، في فلسطين هناك صراع ليس على مستوى الأرض فقط،  وإنما على مستوى الهوية الثقافية كذلك ولذلك علينا الحفاظ على التراث في هذا البلد، وهذه مسؤولية دولية، وليست مسؤولية أفراد".
من جانبها أكدت سميرة اللحام من جامعة الدمام أنه من الضروري عندما يتم الحديث عن التراث التطرق إلى جوانبه كافة، وقالت: "هناك جوانب مرئية للتراث وأخرى غير مرئية وهما مترابطان بشكل كبير جدا، ولذلك علينا أن نجعل الترابط بين الاثنين وثيقا، وذلك من خلال الحفاظ عليهما".
.+