الآثار الإسلامية.. تحتاج إلى تصحيح المفاهيم للحفاظ على تاريخ الأمة

  • Play Text to Speech


 تمثل الآثار الإسلامية في بلادنا جزءاً مهماً من الموروث الثقافي الإسلامي الذي يكرس الانتماء لهذا الدين عبر التواصل مع الحقيقة التي شهدتها أرض هذه البلاد عبر سجال طويل بين النور والظلام والدعوة إلى الله زمن النبوة وطيلة القرون والسنوات الماضية مما يمثل سجلا واقعيا للأحداث والمناسبات الإسلامية على امتداد تلك الفترات من التاريخ.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المحافظة على تلك المواقع والآثار الإسلامية كما تبرز الأهمية لضرورة العمل على تحصينها مما قد يتلبسها من البدع والانحرافات الفكرية التي قد تؤثر في العقيدة عبر تلك التصرفات القائمة على الجهل والتجاهل من بعض أولئك الأشخاص الذين يستهويهم صرف النجوى إلى بعض الأعلام أوالتبرك ببعض المواقع. وإن كانت هذه الجزئية مصدر قلق لبعض المتحمسين لهذا الدين القويم، إلا أن التخوف منها رغم أهميتها فإنه من الممكن علاجها وبالتالي فلا يجب أن يكون ذلك مبرراً لمحو وإهمال شواهد ومعالم هذا التاريخ الناصع المشرق بالدعوة إلى الله والجهاد والإخلاص للعقيدة وإهماله بكل صوره وجوانبه وآثاره، كما أن هناك العديد من آيات القرآن الكريم التي تحث على النظر المباشر والتبصر بحال الأمم الأخرى وما حل بها عبر آثارها وشواهدها الباقية.وهذا مما يعزز من أهمية الحفاظ على جميع الآثار لأخذ العبرة في كافة صورها.
وفي إطار الحفظ على الآثار وجعلها في منأى عن عوامل التخريب والطمس المتعمد أشار سمو رئيس هيئة السياحة والآثار الامير سلطان بن سلمان إلى أن أرض هذه البلاد المباركة تزخر بكم كبير من أهم الآثار وأكثرها قيمة وأبرزها مكانة، كما أنها كانت مسرحا للكثير من الأحداث التاريخية المهمة، مؤكدا سموه على أن حماية هذه الآثارهي مسؤولية وطنية يتحملها الجميع، وقال سموه:"الآثار الوطنية اليوم محمية وليس لأي إنسان كائنا من كان أن يتعرض لها بالهدم أو التخريب أو التجريح، ونحترم غيرة الناس ونسترشد بالعلماء". ولتعزيز هذا الجانب نوه سموه إلى أهمية مواجهة الواقع بتصحيح المفاهيم الخاطئة بالتوعية وتطوير المتاحف والعناية بالآثار لأنها جزء من التاريخ.
ونظراً لوجود أصوات تحمل أفكاراً تتعارض مع فكرة الاهتمام بالآثار قال سموه: إننا في هيئة السياحة حريصون عند بدء التطوير على أخذ آراء جميع الأطراف المهتمة بهذا الجانب وخصوصاً أولئك الذين كانوا يعارضون التطوير، وأضاف سموه قائلاً: بأن عملنا في الهيئة تعاوني وتضامني وكل خطة وضعت لتطوير قطاع الآثار والمتاحف قد دعونا لها الكثير من الناس، وإني قد تحدثت شخصياً مع بعض مديري الجامعات وأشخاص آخرين وطلبت منهم معرفة المعارضين لتطوير الآثار في السعودية حتى ندعوهم ونجلس معهم وقال نحن لم ننغلق على أنفسنا ورأي الجميع هدفنا والآثار ليست ملكاً لشخص بعينه بل هي للجميع ويجب أن يتشارك الجميع في المحافظة عليها.
وعن وجود حزم من قبل الدولة لمنع المساس بهذه الآثار والتعدي عليها أكد سمو الأمير سلطان بن سلمان أن رؤية الدولة – حفظها الله- للتعامل والتعاطي مع الآثار الإسلامية والتشويه لها هو الحزم في عدم المساس بها أو التعدي عليها ومن ذلك صدور الأمر السامي الكريم بتاريخ 14/4/1429ه بدعم كبير من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده وسمو النائب الثاني ومتابعة من هيئة السياحة والذي يحسم موضوع التعدي على مواقع التراث الإسلامي، ويكلف الهيئة بعمل حصر كامل لجميع مواقع التراث الإسلامي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويوقف جميع أنواع التعديات على كافة المواقع ومنها المساجد، ويكلف الهيئة بأن تعمل مع الجهات المعنية فيما يتعلق بالجانب الأثري وبعض المساجد التي لها قيمتها الدينية والروحية والعمرانية والتاريخية." في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى الحد من الممارسات غير الصحيحة من خلال فتح تلك المواقع وإيجاد من يرشد الناس للممارسات الصحيحة، ويعرف بالمواقع، لأنه ثبت بأن إهمال المواقع الأثرية أمر يؤدي إلى الممارسات الخاطئة، وبالتالي تفويت فرصة الاستفادة بما ينفع الناس وفهم ومعايشة المعاني العظيمة للتاريخ الإسلامي الذي ارتبط بتلك المواقع.
وأوضح الأمير سلطان أن الهيئة تتعامل مع قضايا الآثار الإسلامية وفق منظور شرعي وبما ينسجم وتعاليم الشريعة الإسلامية التي تقوم عليها هذه البلاد، وتحرص القيادة وتوجه بتطبيقها، ويحقق في ذات الوقت الحماية لهذه الآثار، مؤكدا على حرص الهيئة الشديد على ألا تتحول هذه الآثار إلى مزارات.
وحول توجيه نظرة متسامحة مع الآثار ومنحها الأهمية من خلال تأصيل قرآني فقد أكد أ.د أحمد بن صالح الطامي وكيل جامعة القصيم للشؤون التعليمية ورئيس نادي القصيم الأدبي بأن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بأن نسير في الأرض وننظر في آثار الأمم السابقة للاعتبار، يقول تعالى في سورة آل عمران:(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، ويقول تعالى في سورة الروم:(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها)، ويقول في سورة النمل:(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين)، فالمسلم مأمور بالنظر في آثار الأمم السابقة للاعتبار والاستفادة.
وأضاف الطامي بأنه لا يمكن تعطيل هذا الأمر الإلهي، بسبب التخوف من تحول الآثار إلى أماكن لممارسات مخالفة للدين، وقال إن التخوف من تحول هذه الآثار إلى أماكن لممارسات مخالفة للعقيدة الإسلامية هو أمر يبدو لي مبالغ فيه، ويمكن منع حدوث أي سلوك مخالف للدين بإخضاع هذه المواقع لرقابة أمنية صارمة كما هو معمول به في جميع المواقع الأثرية في العالم.
وعن جوانب الاهتمام بالآثار قال سمو رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار إن الهيئة لا تمثل نفسها في موضوع المحافظة على الآثار والتراث العمراني وإنما تمثل الدولة، ولا تعمل وحدها بل تعمل بمشاركة كاملة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة الداخلية والوزارات الأخرى، لذلك فإن قضية المحافظة على الآثار والتراث الوطني ليست قضية الهيئة وحدها وإنما هي قضية وطنية.
ويؤكد سمو رئيس الهيئة أن مما يعزز اهتمام المملكة بالآثار هي تلك الرؤية الشاملة بأن المملكة تحتل في منظورالعالم أربعة مواقع رئيسية، الأول الموقع الديني كقبلة المسلمين والحرمين الشريفين، البعد الثاني هو الاقتصادي، بمكانة المملكة الاقتصادية ورصانتها والعمق الاقتصادي الضخم الذي يعرفنا العالم فيه، البعد الثالث الذي يتنامى هو البعد السياسي فبلادنا طوال تاريخها ومنذ عهد المؤسس جميع مواقفها تدل على أن السعودية حاضرة بقوة كلاعب أساسي في القضايا الرئيسية والمصيرية لهذه الأمة.
أما البعد الرابع الذي لم يُخدم في بلادنا بالقدر المناسب هو البعد الحضاري أو التراث الذي لا يعرفنا العالم فيه، كما لا يعرف العالم أن الجزيرة العربية كانت تدير الاقتصاد في يوم من الأيام وأن المملكة كانت بلد الحضارات والتاريخ، بلد طرق التجارة والسياسة والأحداث التي غيرت مجرى التاريخ وبالتالي فإن المملكة دولة من الوزن الثقيل في بعدها الحضاري ويجب أن تكون حاضرة في رسم مستقبل الإنسانية.
وقال سموه بأنه يجب أن نعطي تراثنا الوطني الكبير انتباها خاصا والذي اندثر جزء لا يستهان به بسبب الإهمال والتعدي أو تقادم الزمن ولذا يجب الاهتمام بهذا البعد وقال نحن لسنا بلداً طارئاً على التاريخ، اليوم في المملكة مع كل رمشة عين تقف على أثر، كلما التفت يميناً أو شمالاً تجد تراثا وتاريخا، نحن أمة في هذا الوطن ليست طارئة على التاريخ ولا متطفلة على المستقبل، كنا وما زلنا وسوف نستمر مثل ما قال خادم الحرمين الشريفين يجب أن نستعيد دورنا الريادي في صناعة المستقبل من خلال استعادة دورنا في العلوم والاختراعات."
وأشار سمو الأمير سلطان بن سلمان إلى أن الهيئة بدأت بتنفيذ خطط وبرامج للعناية بالتراث العمراني وحمايته من الإهمال والإزالة واستثماره ثقافيا واقتصاديا، مؤكداً أن هناك تطويرا شاملا للقصور التاريخية في عهد الدولة السعودية، حيث تم الانتهاء من ترميم 90% منها، وذلك لتحويلها إلى مراكز ثقافية ومتاحف حية ومراكز فعاليات تحيي روح الوطنية الحميدة، وتربط الناس المواطنين بتاريخ بلادهم المجيد وتعرف النشء بالأمجاد التاريخية لهذه البلاد العظيمة التي توحدت مع اختلاف ثقافة أهلها وجغرافيتها.
وهنا يؤكد أيضاً الأستاذ د.أحمد الطامي بأن واقعنا في المملكة يؤكد أننا متهمون بازدراء الآثار التاريخية وإهمالها، وقال: إن الكثير من زوار المملكة، سواء من جاء للحج أو العمرة، أو من جاء لغرض آخر، يسألون أول ما يسألون عن المواقع الأثرية والمتاحف التي تحتضن تاريخنا ومقتنياتنا الأثرية، ثم يُصدم هؤلاء الزائرون بفقرنا في هذا المجال رغم ما تحتضنه أرضنا من آثار غنية.
ويضيف الدكتور الطامي بأنه قد آن الأوان للالتفات لآثارنا ورد الاعتبار لها والعناية بها بدءا من آثارنا الموغلة في القدم في مدائن صالح في شمال المملكة وآثار أصحاب الأخدود في جنوبها، ومرورا بتاريخنا الإسلامي وخصوصا آثارعصر النبوة في مكة المكرمة والمدينة المنورة اللتين تحتضنان كنوزا هائلة من الآثار الإسلامية التي يتطلع كل مسلم إلى الاطلاع عليها واستشعار إشراقة ديننا الإسلامي وتاريخه وحضارته.
وفي لمحة تطمينية من وجود ممارسات خاطئة قد يمارسها بعض الجهلة من خلال تفعيل جوانب الاعتقاد بهذه الآثار، قال د. الطامي إن التوعية وخاصة التوعية الإسلامية سيكون لها أثر بالغ في صرف الجهلة عن أي سلوكيات منافية للعقيدة، مشيراً إلى أننا لا يمكن أن نضيع تاريخنا وآثارنا وتراثنا خشية من ممارسات يقوم بها بعض الأميين، ونتجاهل ملايين الواعين من المواطنين والمسلمين والزائرين الذين لا يريدون من هذه الآثار سوى المتعة المعرفية واستشعار واستحضار التاريخ، وتقدير الإرث الحضاري لبلادنا عبر أطوار التاريخ.

.+