علماء الآثار في المملكة يجمعون على أهمية الاكتشاف الأثري الذي أطلع على عليه خادم الحرمين الشريفين

  • Play Text to Speech


أجمع خبراء وعلماء آثار سعوديين على أهمية الموقع الأثري الذي أعلنت الهيئة العامة للسياحة والآثار عن اكتشافه وأطلع عليه خادم الحرمين الشريفين خلال استقباله سمو رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار الثلاثاء الماضي في قصر الصفا بمكة المكرمة بناء على توجيهات خادم الحرمين الشريفين.

وقال الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري عالم الآثار وعضو اللجنة الاستشارية للآثار والمتاحف أن بلادنا في جنوبها وشمالها تثبت أنها تذخر بآثار موغلة في التاريخ وليس أدل على ذلك من الكشف الأثري الفريد ففي موقع يعرف باسم المقر يقع بين محافظتي تثليث في منطقة عسير، ووادي الدواسر في منطقة الرياض تم العثور على أشكال لحيوانات متعددة استأنسها الإنسان الذي عاش في هذا الموقع، واستخدم بعضها الآخر في نشاطاته وحياته اليومية، ومن هذه الحيوانات: الضأن، والماعز، والنعام، والكلب السلوقي، والصقر، والخيل، وترجع هذه الأشكال إلى تسعة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر، ويمثل هذا اكتشافاً أثرياً مهماً على المستوى العالمي، حيث أن آخر الدراسات الأثرية حول استئناس الخيل كانت تشير إلى ذلك حدث لأول مرة في كازاخستان بأواسط آسيا، وإلى أن تاريخ ذلك الاكتشاف يعود إلى منذ 5500 سنة قبل الوقت الحاضر. لكن هذا الاكتشاف الذي تم  على الأراضي السعودية يؤكد أن الجزيرة العربية قد سبقت سواها في استئناس الخيل.

وقال الدكتور الأنصاري :"الخيل معشوقتك يا مليكنا كانت تجول وتصول شمالاً وجنوبًا وانتقلت من الجزيرة العربية لتنقل عربات ملوك مصر وتأخذ بألبابهم ولا أدل على ذلك ما وجد مؤخرًا من نص فرعوني في تيماء يدل على أن تيماء كانت سوقًا عالمية تأتي إليها جميع شعوب العالم لتأخذ من خيراتها. من بابل وبلاد الشام وما ورائها من يونان ورومان، ومن مصر وما وراء مصر".

من جانبه قال الأستاذ الدكتور سعد بن عبدالعزيز الراشد عالم الآثار ومستشار رئيس الهيئة للآثار وعضو مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والآثار أن هذا الاكتشاف يعد نقطة تحول في تتبع نشوء الحضارات وتطورها في الجزيرة العربية ومعرفة جذور الاستقرار الحضاري، وارتباط الإنسان بالتكوين البيئي الذي تشكل في العصر الحجري الحديث. ومن أهم المكتشفات الأثرية في الموقع القطع المصنوعة والمنحوتة من الحٍٍَجر والرسوم الصخرية المرتبطة بالخيل، فهذه الشواهد الأثرية تدل بدون أدنى شك على الرقي الحضاري لسكان هذه المنطقة في فترة مبكرة من حضارة الجزيرة العربية،

وتأتي تتويجاً لمسيرة النشاط الأثري في المملكة العربية السعودية المتواصل منذ أربعين عاماَ، والتي رصدت ووثقت وكشفت عن آلاف المواقع الأثرية ساعدت في بناء خارطة زمنية تحدد التتابع التاريخي على أرضها وتواصلها مع ثقافات وحضارات الشعوب والأمم في بلاد الشرق الأدنى القديم.                                                                        
      
وأوضح الدكتور الراشد أن وجود استقرار بشري  في موقع المقر والمناطق المحيطة به في الجزء الغربي لمنطقة وسط الجزيرة العربية خلال العصر الحجري الحديث، يعطي بعداَ آخر لجذور حضارات عريقة نشأت على أرض المملكة العربية السعودية، وقد لا يبدو غريباً الكشف عن آثار تدل على استئناس الخيل في هذه الفترة الزمنية وهذا يقودنا إلى إعادة التأمل في الرسوم الصخرية المنتشرة في أنحاء متفرقة من مناطق المملكة وعلى وجه الخصوص في جبال طويق الجنوبية وجبال حسمي في شمال غرب المملكة ومنطقة حائل الغنية بالرسوم الصخرية وخاصة في جبة والشويمس وجانين وياطب، فهذه المواقع تشتمل رسومها الصخرية على تشكيلات فنية فريدة لمناظر طبيعية وآدمية وحيوانية متنوعة ومن أبرز ما في تلك الرسوم الصخرية لوحات بديعة للخيل وأدواتها ، مما يدلل على أن استئناس الخيل يعود لفترة زمنية بعيدة في التاريخ، وقد أعطى الباحثون تحديدا أولياً لتواريخ تنفيذ تلك الرسوم الصخرية إلى فترة تزيد على الألف العاشر وتمتد إلى الألف الأول ق.م. ولهذا فإن الدلائل الجديدة عن استئناس الخيل في موقع المقر يجعل من الأهمية بمكان التركيز الدقيق في الدراسات البحثية في هذا الموقع وتنفيذ حفائر أثرية ومسح جيولوجي ودراسة البيئية والتحولات الجيولوجية للموقع، ويتبع ذلك دراسات مكثفة عن استئناس الخيل في الجزيرة العربية ومراحل تطورها.                                                      
                      
وأكد د. الراشد على أن الآثار في المملكة كنز حضاري ثري من الشواهد الأثرية تحتاج إلى دراسات علمية موسعة يشترك فيها علماء في الجيولوجيا والحيوان والنبات والمختصين في علوم الآثار من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصور الإسلامية. ويأتي موقع المقر في مقدمة تلك المواقع التي تحتاج إلى دراسات مكثفة، ولا بد من التأكيد على توسيع المسوحات الأثرية في مواقع أخرى وبالتحديد في مكامن تكون البحيرات الطبيعية والأودية ذات الضفاف الخصبة وتشكلت فيها واحات وغطاء نباتي كثيف ساعد في نمو ثروة حيوانية ومنها الخيول والحيوانات المفترسة والجمال والأبقار والطيور وغيرها. ولعل الرسوم الصخرية المكتشفة في مناطق الواحات في محيط المدينة المنورة وماله صلة بحياة الإنسان ومنها واحات وادي الصويدرة والحناكية وخيبر ومواقع أخرى.    
                                                                  
ومن المفيد الإشارة إلى عناية المسلمين بالخيل العربية وتنميتها وهو امتداد لإرث حضاري موغل في القدم، ولذا فلا غرابة أن تخصص مناطق محمية من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لتنمية الخيل وتكاثرها، ومنها حمى الربذة الذي كان " حمى لإبل الصدقة وخيل المسلمين" وتذكر المصادر التاريخية أنه كان يحمل من حمى الربذة للجهاد ما يقارب من أربعين ألف من الخيل.وهناك أحمية أخرى في الجزيرة العربية ومنها حمي ضرية والنقيع وغيرها وكانت القبائل العربية في الحجاز ونجد وفي مناطق أخرى من جزيرة العرب يعدون أجواد الخيول العربية للبيع والمقايضة بالسلع الأخرى مع قوافل الحجيج القادمة من المشرق الإسلامي وبلاد الشام ومصر في العصور الإسلامية.                    
                            
إن الكشف الأثري لموقع المقر يجعل الهيئة العامة للسياحة والآثار- بقيادة رئيسها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز- مواصلة جهودها وترسم خطة موزونة لتتبع تاريخ الخيل العربية في الجزيرة العربية من عصور ما قبل التاريخ وحتى الوقت الحاضر.وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم:" الخيل معقود ي نواصيها الخير إلى يوم القيامة"    

.+