مشاكي تتدلى ومقلمة من العصر المملوكي وسجادة مثمنة

  • Play Text to Speech


 
تتمثل أمامك طيبة الطيبة حينما وصل إليها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه مهاجرين من مكة المكرمة، فصوت التسجيل الصوتي الذي يتردد في جنبات المتحف الوطني بالرياض يوحي بذلك المشهد "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع..". أما إذا قصدت قاعة العروض الزائرة فأنت بين مجموعة آثار من "روائع الفن الإسلامي" جلبها متحف اللوفر المتحف الوطني بالعاصمة الرياض. تستقبلك قبل أن تدلف إلى قاعة العروض الزائرة صورة كبيرة تجمع بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس الفرنسي جاك شيراك وهما يعاينان مجسماً للحرم المكي، وذلك أثناء زيارته حفظه الله لقاعة الفنون الإسلامية بمتحف اللوفر بباريس. قد تشك في أنك زرت هذه القاعة من قبل، فطريقة العرض، والإضاءة، وخزائن التحف، والوصف الكتابي للقطع يعتبر "مدرسة جديدة في العرض المتحفي" على حد تعبير د. سعد الراشد وكيل الآثار والمتاحف. وحسب المتحف الفرنسي "تضم مجموعة اللوفر أكثر من عشرة آلاف قطعة، وهو يقتني أهم الأعمال الفنية التي تعود للدول والممالك الإسلامية، في حين يقتني متحف الفنون الزخرفية مجموعة خاصة يبلغ عددها ثلاثة آلاف قطعة، ستلحق بمجموعة الفنون الإسلامية في متحف اللوفر في عام 1428 هـ/ 2008 م، عند الانتهاء من إنشاء القسم الجديد الخاص بهذا الفن". خطاب خطاب مكتوب على البردي، أول ما تقع عليه عيون الزائر للمعرض، وهكذا هي هذه الأمة جاءت للعالم بـ(اقرأ)، " قرآناً عربياً ، لعلكم تعقلون". الخطاب وصف بأنه إداري في إشارة إلى مستوى علم الإدارة الذي برع فيه المسلمون، ويبدو أن كاتبه (عبدالملك بن يزيد) وهو ثاني حاكم لمصر في العصر العباسي كتبه إثر تلقي شكوى بخصوص خزيمة بن ماهان، وهو موظف في مقاطعة الفيوم، حيث تم العثور على البردية. "أما بعد فإني قد أشركت الحرث بن كامل معك في عملك وأمرته بمؤازرتك ومكانفتك للذي كان من شكوا أهل عملك لعبدالواحد بن قيس". مقلمة لقد برع المسلمون منذ عصورهم الأولى في الصناعة على اختلاف مشاربها، وقد أبدع الحرفيون المهرة في فنون النجارة والحدادة والحياكة والخياطة والتزجيج والخزافة، يظهر ذلك في البانوراما الفنية التي يعرضها اللوفر؛ فمن العصر المملوكي اقتنى متحف اللوفر عام 1275هـ مقلمة صنعت من نحاس مطروق، مطعم بالفضة والذهب، وجاء في وصفها: "هذه المقلمة المزينة بأشكال الفرسان من أشهر النحاسيات المملوكية، وهي تنطوي على مفاتيح عديدة لفهم المجتمع المصري المتطور في عصر المماليك، حيث كانت مصر في عهدهم أحد أكبر المراكز التي تجمعت فيها علوم العالم الإسلامي". وقد نقش على غطائها "محبرة مولانا، الكاملة الصفات، وما يكتب بها دليل على حسن بري أقلامها، وأم الكتابة بين علاماتها". نافورة الأسد تدهش العين من دقة النقش المرسوم على نافورة برونزية صبت على شكل أسد يزأر، عثر عليه في منطقة مهجورة في إسبانيا، ويعتقد أنها كانت في القلعة العربية في مونزون التي سقطت بأيدي المسيحيين في القرن الحادي عشر. وتلمس في إحدى السجادات المثمنة الشكل (خرسان أو الهند القرن الثامن عشر)، سعة خيال الصانع وبراعته في اختيار الألوان وصف الخيوط ونسجها، ويقول المتحف الفرنسي عنها: هذه القطعة هي إحدى القطع القليلة التي وصلتنا بشكلها الكامل، إذ إن السجاد ذو الشكل المثمن يعد من القطع النادرة جداً. مشكاة تتدلى في إحدى جوانب المعرض ثلاث مشاكي تنسب إلى العصر المملوكي، نقشت على إحداها: ?الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكبُ دري? . ويوضح كتاب المعروضات الذي يوزع على الزائرين بأن" الزجاج كان يصنع في ورش عالية التخصص، حيث يصهر رمل الصوان في الفرن، ثم تنفخ عجينته، وتصاغ بشكل مشكاة، وتبَرَّد بالتدريج لتجنب الكسر، وبعد برود الزجاج تتم زخرفته بالميناء والذهب. وكان استحضار الميناء يتم بسحق الزجاج الملون وتذويب المسحوق الناتج في محلول، وبعد طلاء الزجاج بالميناء، تشوى المشاكي في الفرن مرة ثانية حتى يلتحم الميناء بالزجاج ويذوب فيه، وبعد ذلك تكرر العملية من جديد مع محلول الذهب. وكانت مراحل الصنع تتم جميعها أحيانًا من قبل صانع واحد يتولى عمليتي النفخ والزخرفة معًا، وأحيانًا أخرى من قبل عدة حرفيين مختصين". د. سعد الراشد وكيل الآثار والمتاحف يؤكد بأن زائري المعرض من المواطنين والمقيمين سيشاهدون في المعرض ملامح من الحضارة الإسلامية "وهي حضارة عريقة وراقية في مختلف العصور، فالمسلمون منتجون لصناعات راقية ذات تقنية عالية، فهناك علم وهناك هندسة واحترام للحرف والصناعات، كما إن الخلفاء المسلمين كانوا خير مشجع للعامل الفني النساج والخزاف والعامل في تكفيت النحاس والحديد والبرونز". ووصف الراشد المعرض بأنه "كتاب مفتوح" نقول من خلاله للعالم هذه حضارتنا اقرءوها وتفهموها" ثمة حضارة حقيقية ونهضة صناعية ازدهرت في كافة أقطار العالم الإسلامي، بل كل مكان حيث وطأت فيه أقدام المسلمين. تقرأ ذلك في بعض القطع الفريدة فهذا تاج عامود مصنوع من مرمر جبسي (سوريا النصف الثاني من القرن السابع)، وهنا مرآة مطعمة بالذهب ومرصعة بالأحجار الكريمة، ورسمُ يظهر فيه رجلان يقومان بتحضير وعاء كبير من الرصاص، ويبدو من الرسم أنه جزء من مخطوطة، وهي عبارة عن وصفة عطارة لكيفية تحضير الرصاص واستخدامه طبياً. الخزف كان الخزف من بين المواد التي طوعها الصناع المسلمون، فجعلوا منها أكواباً وأطباقاً وبلاطاً لتجميل حيطان المنازل والقصور. ويرى اللوفر بأن بعض البلاط الخزفي الملون صنع بطريقة متقنة "نظراً للتقنية العالية التي تتميز بها كافة البلاطات، وقوة زخرفتها، بإمكاننا الجزم بأنها صنعت لتُستخدم في مبنى تم إنشاؤه لأحد المقربين من السلطان، أو للسلطان ذاته وأسلوب الرسام واختيار الألوان والزخارف، يسمحان بحصر تاريخها في الأعوام 982هـ-1575م/987هـ-1580م أي في عهد السلطان مراد الثالث". لوحان من الخزف رٌسم على الأول الحرم المكي، والثاني الحرم النبوي (تركيا حوالي 1049هـ)، تتمازج فيهما الألوان الأزرق والأخضر والأبيض بتناسق جميل في زخرفتها وخطوطها. في لوح الحرم المكي المرسوم بإمكانك مشاهدة بعض أهم المعالم مثل: الكعبة، مقام إبراهيم، المآذن، وتقرأ الآية : ?إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين?. في اللوح الخزفي الثاني يبدو من القباب والمآذن والمنبر أن الرسم للمسجد النبوي الشريف. وهنا لم يكتب الرسام أي كلمة على معالم الحرم سوى الآية الكريمة: ?إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً?. يرى الأمين العام المكلف بقسم الفنون الإسلامية بمتحف اللوفر فرانسيس ريتشارد بأن الفن الإسلامي اقترن بترف القصور والحياة اليومية للبلاط الحاكم وأبهة الأمراء وروعة الأدب والشعر. وأدى فن الخط فيه دورًا رئيسيًا، وتم إجراء أبحاث وابتكارات عديدة في مجال الخزف، وانتشرت الأنسجة الفاخرة النفيسة، ولم تبق ركيزة خشبية أو زجاجية أو جلدية أو حجرية أو ورقية إلا واستخدمت لإنتاج أعمال فنية، فُتن الهواة بجودتها وشكلها وزخرفتها الغنية، فأصبحت مطلوبة من قبلهم حتى خارج العالم الإسلامي. وهذا ما يعلل الطابع الغني للمجموعة الباريسية التي تعد دليلاً قاطعًا على التأثير الواسع لهذه الفنون، ولا سيما في مطلع القرن العشرين".
.+