(القصبة)صوامع من طين وأبراج متعددة الأدوار في عسير تحفظ الغلال عشرات السنين

  • Play Text to Speech


 قلاع حربية،أم صوامع من طين لحفظ الغلال من حبوب القمح والذرة والشعير،عشرات السنين،سمها ما شئت،فهذه القلاع أو الحصون صامدة منذ مئات السنين تقاوم عوامل الطبيعة.
العم أحمد بن عبد الله آل عدالة من سكان قرية عثمان بني بشر محافظة سراة عبيدة فقال:تلك القلعة تسمى محلياً"القصبة"وهي متعددة الأدوار وقد تعود ملكيتها لمواطن أو قد يشترك في امتلاكها أكثر من شخص، تحفظ فيها الغلال لعقود،القصبة قد ترتفع ثلاثة أدوار وقد تصل إلى 6 أدوار،ولها استخدام آخر فقديماً وقبل الحكم السعودي كانت تستخدم لحماية القرية، ويتحصن بها المدافعون للدفاع عن النفس، والمال ، والعرض،وتسمح النوافذ الصغيرة،والمعمولة بزاوية 45 درجة على أن يقتنص الأعلى من هو من الأعداء في الأسفل دون أن يراه.
تُبنى القصبة من الطين الممزوج بالماء والتبن لتشكل مداميك متعددة ومنها إلى أدوار،وعادة ما يكون الدور من غرفة واحدة والسلم ملتوي ومن أغصان الشجار وبشكل حلزوني يفصله مسطبة صغيرة للاستراحة أثناء التسلق،ودخول الغرفة التي خصصت لنوع ما من الحبوب وبها عدة أرفف مستطيلة يوضع بها الحب، ويسهم في الحفاظ عليها مواشيق"نوافذ صغيرة" تسمح بمرور تيار هوائي معتدل يعمل على حفظ المنتج لفترات طويلة.
يستطرد العم أحمد آل العدالة فيقول: بعد أن يجمع مال القصبة أو بيوت الطين حفنة من النقود الفرنسية يشرع في بناء الدورالأول حيث يبرم عقوداً شفهية مع البنّاء سوى للقصبة أو العشيرة أو المساكن الطينية،ويسمى (الباني) ومع النجار ومع شخص آخر كعامل مساعد ويدعى "رتاب"،يحضر المالك الأخشاب الضرورية ( سيقان شجر الطلح وسيقان شجر الحمض والنظار) واليراع وهو يشبه قصب الذرة لكنه أطول بكثير ويبدو أقوى .           
يلتقط الحديث العم محمد علي آل فايع فيقول:يحضر المالك أو من ينيبه المواد الضرورية مثل "النطف أو الرقف"وهو رقائق من حجر على هيئة مستطيلات أو مربعات أو مثلثات ، وقد قام بنفسه وبمساعدة بعض الأقارب باستخراجها من موقع لا يبعد عنهم سوى عشرة كيلو مترات وكانت المواد تجلب إلى قرب المبنى على ظهور الحمير ، أمّا الأخشاب فكانت تحمل على أكتاف الرجال، وشيد بها بيته،الذي استبدله بمنزل من الاسمنت المسلح،لكن حنين الطين لا يزال يشكل له هاجساً.
تعود بالعم آل فايع الذاكرة إلى عشرات السنين التي خلت وإلى أيام طفولته فيقول:اشترى والدي "رحمه الله"الدواب الضرورية مثل ( البقر والحمير والغنم )، لبناء منزلا ريفياً،وقامت والدتي"رحمها الله" بطحن كمية كبيرة من الحبّ بأنواعه بوساطة الرحى،إضافة إحضار أقتاب الأبقار"محمل" وبرادع الحمير و شرائه للسمن البلدي من خميس عبيدة"سراة عبيدة"،أعدّ الحبال اللازمة والبكرات الخشبية ، والأدوات المصنوعة من سعف النخيل غير المثمر " الخبار" ويطلق عليها ( المناعش والمكاتل أو المقاطف ) كما أحضر أدوات الحفر البدائية مثل( المساحي والفرس والحكلان )،وأحضرت والدتي كمية من الطين المبيّض للمبنى ويسمى ( الخرف والقص أو الجص) من مكان يبعد عنا سبعة كيلو مترات تقريبا .
 يعمل الجميع على تكوين حفرة كبيرة على دائري الشكل  قطرها حوالي عشرة أمتار وعمقها لا يقل عن متر ونصف المتر ، وتسمى ( المخلابة )،ويُحفر إلى جوارها أخرى بعمق 3 أمتار وقطر قد يصل إلى مترين وتسمى تلك الحفرة ( المركى ) والحفر يدويا،وتم إنشاء جدول لإيصال الماء من البئر إلى المخلابة والمركى ويطلق على ذلك الجدول ( المسكرة ) .
ويضيف آل فايع:يشرع فريق البناء في تجهيز اللبن ( الخلب ) باحضار الطين الأبيض على ظهور الحمير وإضافته إلى طين يُجلب من مكان آخر ويسمى ( الصفرة ) ليوضع فوق طبقة من الرمل الأسود ( بطحاء) مع بعض التبن، في المخلابة،وطين آخر من بقايا بيت متهالك قديم يسمى ( النُقض ) .
وما إن يصل سمك الطين المخلوط في المخلابة إلى حوالي 80 سم حتى يقوم الرتاب بريّ"سقيا" المخلابة بالماء مستخدماً الثيران في جلب الماء ليملأ المركى ( مستودع للماء) للاستخدام في اليومين التاليين،في اليوم الثاني وعقب صلاة الفجر يقوم الفريق بمزج الأتربة "المخلابة" بثورين إلى قبيل صلاة المغرب ، وتسمى تلك العملية بــ ( برصع المخلابة ) ليزيد تماسك الطين ،وما إن يستوي الخلب ، يقوم المساعد بقلب المخلابة ( قلب الطين ) بواسطة المساحي . وهنا يصبح اللبن( الخلب ) جاهزًا لاستخدامه في البناء .
 ويلتقط الحديث يحيى محمد آل مزهر فيقول:في اليوم التالي يحضر البنّاء ، وقبل الشروع في الرصف وإنشاء المداميك يتوجب على أهل البيت إطعامه برًا وسمنًا لوحده .
وعلى مالك البناء الاستعانة بمجموعة من أهل القرية لمساعدتهم في رفع الخلب والرقف وتقديم وجبات يومية للبناء والعاملين معه وقت إنشاء المدماك وهذه العملية قد تصل إلى شهر او أكثر بحسب طول وحجم البناء.
 يستلم الزنبيل "المكتل" المملوء بالخلب شخص فوق السطوح برافعة خشبية قد تجرها الحمير أحيانا ويطلق على تلك الرافعة ( كَلَب ) وفي تلك الأثناء يعمل آخرون على تقطيع كُتل الخلب ومناولته للبناء ليصفّه مشكّلا ما يسمى بالمدماك ، "حائط بارتفاع 50 سم" وعرضه كذلك .
أثناء العمل في ذلك اليوم يتناول الجميع طعام الإفطار ( قروع) خبز في التنور يؤكل مع قهوة الصباح، وعقب الانتهاء من المدماك الأول قبيل صلاة الظهر يتناول العمال وجبة دسمة ( لحم وعصيدة ومرق).
يضيف آل مزهر أثناء عملية البناء يقوم النجار بإعداد النوافذ الخشبية ( اللهج ) و سقف السلم ، من الخشب ، وأعمدة سقف المنزل الخشبية العرضية ( العسيل ) وقطع الخشب الصغيرة( السهوم ) وفي المدماك التاسع يتم تثبيت العسيل. وبعدالعاشر  تثبت السهوم فوق المدماك من طرف وفوق العسيل من الطرف الآخر . بعد أن أصبحت السهوم جاهزة والمسافة بين السهم الواحد والآخر 50 سم. تقريبا يبدأون في تغطية الفراغات التي بين السهوم باستخدام اليراع وذلك بصفّه فوق السهوم وربطه ووضع الخلب فوقها وتسمى تلك العملية بــ( الودفة ) وسمكها حوالي 15 سم.
وقد يضيف المالك ثلاثة مداميك أو أكثر فوق السطح كسترة للبيت ، ومطبخًا صغيرًا ( مسقفًا ) نظرا لاستخدامهم الحطب ولتكون الأدخنة الصاعدة في أعلى مكان بالبيت.
ما إن ينتهي البنّاء والنجار والمساعدون من أعمالهم ، حتى يقوم صاحب المنزل بذبح رأس من الأغنام ضأناً كان أو ماعزاً  إكراما لمن ساهم في بناء بيته ثم يقدم لهم على التوالي البنّاء فالنجار فالعامل أجرتهم وفوق ذلك كسوتهم(ثيابًا وغترًا ) .
وقبل مغادرتهم لبيتنا كان لزاما عليهم إعلام أهل القرية بأنهم استوفوا كامل حقوقهم وتم إكرامهم ، لذلك يعتلي أحدهم سطح المنزل، ويصدح بعبارة ( من هي له البيضاء فهي مبنية من بيشة الغيناء لنجران – هي لـ"فلان"يسميه باسمه ويردف "بيّض الله وجهه"بصوت مسموع في كافة أرجاء القرية، عندها يتسابق أهل القرية للرد بصوت عال كل من موقعه ( بيض الله وجهه ) ومن كان تلك الأثناء في منزله فإن عليه لزاماً أن يردد الجملة من فوق السطح متبوعة بثلاث أعيرة نارية في الهواء.
يتوجب على زوجة مالك المبنى أن تقوم بإعداد الطعام في الفترات التي لا يمكن لأهل القرية تقديم الدعم الغذائي في حال كان عددهم قليلاً وعليها تغذية الثيران والحمير"تلقيم"،وطلاء المداميك وإحضار مياه الشرب بواسطة "القربة"وأن تعيد تنوير المنزل من الداخل بالجص الأبيض ،وطلاء أرضية المنزل بنوع خاص من الطين وعمل وزرة بارتفاع متر واحد، تطليه بعصارة ورق البرسيم ( خضار ) وتخضير الأرضيات بورق البرسيم، وإن كانت سيدة المنزل ذات ميول فنية في تشكيل القطة "الرسم على الجدران"،وإلا فإن عليها الاستعانة بخبيرة لإعداد الألوان ومزجها والرسم على الحائط. يقول يحيى آل مزهر:يلزم سيدة المنزل تجهيز المسقف ( المطبخ ) بتثبيت التنور فيه وتجهيز مكان لحفظ كمّ معقول من الحطب ( حضن ) ويسمى ذلك ( بالمصْلا ) وأعدت الأثافي ( ثلاث حجرات ) لتنصب فوقها ( البرمة أو القدر ) . وأعدت المصواط ( غصن شجرة طلح مقشور بطول نصف متر تقريبًا ينتهي رأسه بزائدتين ليسهل تقليب العصيدة بواسطته أثناء إعدادهما.
في وليمة المنزل يأكل الجميع ما تيسر من اللحم ،ويحتفظ كل ضيف من الجماعة بجزء من قسمه،ليعطيه زوجته وبناته في البيت ويسمى ذلك ( بالخبيّة ) ويحفظ الرجل اللحم بين ثوبه وجلد بطنه أي فوق حزامه ، وكان من المستحيل ، بل من العيب أن يمشي الرجل بدون حزام وكان يوجد به سلاح"سكين أو خنجر أو سبك".
يقدم رب المنزل بتقديم العصيدة والمرق،ويقوم الضيوف حسب السن بغمس لقيمات العصيدة في المرق،كان الرجل في ذلك الحين يأكل كمّا هائلا من الطعام نظرًا للفقر المدقع ، ومع ذلك يفضل الرجل أن يموت دون أن يستهزئ أحد بكمّ أكله أو طريقته في التهام طعامه ، وكان إذا نهض كبير القوم نهض الباقون لإفساح المجال لمن يأتي بعدهم.

.+